الثلاثاء, 15 نوفمبر 2022 11:03

أين العقل والمصلحة في الانحياز للروس؟ مميز

كتب بواسطة :

لا ينقضي عجبُ العقلاء من إصرار السلطة الفعلية على توثيق ارتباطها العسكري بروسيا بوتين حتى وهي تغرق في أوكرانيا، وتجد صعوبة بالغة في ترجيح الكفة لصالحها بعد قرابة تسعة أشهر من حربها على أوكرانيا، وهي أحد أكثر الأخطاء المصيرية في التاريخ العسكري. ولم يشهد الجيش الروسي سلسلة مروعة من الانتكاسات في ساحة المعركة منذ الجزء الأول من عملية بربروسا في الحرب العالمية الثانية، انحياز السلطة الفعلية لروسيا في عدوانها على أوكرانيا، وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأن وضع الصراع لا يمكن أن يزداد سوءا. في هذه المرحلة، مهما بدا بوتين محاصرا، لا يزال يعتقد أنه قادر على الفوز، لكن قد تصبح أوكرانيا حبة سامة بالنسبة لبوتين: في سعيه لابتلاعها، فإنه يحكم على نفسه بالفشل..

وأما كل هذا التخبط الروسي، تتعمد السلطة الفعلية إظهار انحيازها لعسكر روسيا، فد يكون لهذا الموقف المتصلب اعتبارات تاريخية، لكنه موغل في الحسابات الخاطئة، بل وإحراج حتى للرئاسة، فإذا كانت مُصممة على عهدة ثانية، فيتعين عليها محاولة كسب الغرب وأمريكا، أو على الأقل تجنب إثارة غضبهم، على الأقل في فترة التحضير تمديد الحكم الحاليَ، ليست مشكلة واشنطن مع الجزائر في صفقات الأسلحة الضخمة، فالسلاح الروسي لم يقدر على حسم المعركة في أوكرانيا ولا أظهر قدرات تستحق الاقتناء، فما سوَقه في حربه على المناطق المقاومة الثائرة في سوريا، سقط عنه القناع الدعائي ولم يكن في مستوى التسويق الحربي الدعائي، وإنما في تحوَلها (السلطة) إلى ذراع من أذرع روسيا بوتين في مشروع التوسع والتمدد في إفريقيا، خاصة في منطقة الساحل والتسهيلات المقدمة لمرتزقة "فاغنر" في مالي..

وهذا لن يفيدنا، مصلحيا وإستراتيجيا، في شيء، بل قد يُقحمنا في صراع الشرق والغرب لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ويحملنا أعباء فوق ما يطيقه البلد، وهو في غنى عنها أصلا.. ثم هذه ليست معركة الدولة الجزائرية، بل تحميل لها أن تتورط في تنفيذ رغبات روسيا بوتين وإن أضرت بنا، لأنها قد تزرع تزيدا من التوتر مع أمريكا والغرب، وربما مزيد ضغط وتهديدات. فإذا كان عقلاء الغرب يحذرون شعوبهم من مزيد من المواجهات والأحقاد بين أمريكا والعالم الإسلامي، فإننا أحوج لوعي هذا الدرس، ولا تزال أمريكا تتصدر العالم، وإن كانت مكشوفة بشدة، وقدرتها على الضغط والحصار لم تضعف.

وإذا كانت مشكلات العرب مع أمريكا والغرب كثيرة فليس من الحكمة أن نحمل فوق ظهورنا المزيد من أحقاد العالم الغربي وخلافاته مع روسيا، ولنميز بين مشكلات الروس ومشكلاتنا، ولا يليق أن نكون قنطرة ولا ميدان معركة لتصفية خصومات الآخرين على حسابنا. ولا نستفيد من المزيد من توتير الأوضاع ولا إلى المزيد من الأحقاد، فإذا كان عقلاء الغرب يحذرون شعوبهم من مزيد من المواجهات والأحقاد بين أمريكا والعالم الإسلامي، فإننا أحوج لوعي هذا الدرس.

ومن المهم استيعاب حقيقة مستمرة منذ فترة، وهي وجود تضارب في السياسات والآراء داخل مكونات النظام حول سياسات وتوجهات، وقد يغذي هذا الانحياز للروس مزيدا من التمزق وتعدد مراكز القوى، وسيزيد هذا مع التنافس حول مناطق النفوذ بين القوى الكبرى. ومن المهم، أيضا، ملاحظة أن التقارب الروسي مع البلدان العربية ليس كله سياسة روسية تجاه قضايا عربية، بل هو أحيانا كثيرة مواجهة للغرب على بلاد عربية ومجاورة لهم، أو هو تعزيز للنفوذ الروسي وتوريطها في صراعه مع الغرب، ونحن بهذا لسنا إلا أداة بيد الروس في معاركهم التي لا تنتهي مع الغرب..

قراءة 109 مرات آخر تعديل في السبت, 19 نوفمبر 2022 14:19