الإثنين, 21 نوفمبر 2022 11:14

أسرار "القوة الناعمة" لقطر...بلد صغير يفكر بعقل كبير مميز

كتب بواسطة :

- تميل المساهمات الأكاديمية المتعلقة بمفهوم القوة الناعمة وتنفيذها إلى التركيز على الدول الكبيرة، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا واليابان والصين، ومع ذلك، فقد فحصت دراسات عديدة أصول القوة الناعمة لقطر في العقد الماضي. وبينما ركزت بعض هذه المنشورات بشكل أكبر على التاريخ السياسي الحديث للبلاد، درس البعض الآخر السياسة الخارجية للدوحة في سياقات معينة (مثل الربيع العربي)..

- قطر تمارس تأثير القوة الناعمة في منطقة مضطربة من خلال قوة الفكرة وحسن عرضها، وتشمل مصادر الجذب: الاستقرار السياسي للحكم وسياسات إعادة توزيع الدخل الفعالة ونظام التعليم العالي التقدمي الذي عزز بشكل كبير مكانة قطر في المنطقة، وتقدم قطر "الجزرات" التالية للتأثير: فاعلية شبكة الجزيرة، والظهور قوة موازنة لعمالقة وسائل الإعلام الأمريكية، و"دبلوماسية الجزرة"، والاستثمارات الرياضية، وسياسة المساعدات الخارجية السخية.

- أنموذج قطر يوضح كيف يمكن لدولة صغيرة أن تتحمل ما يفوق طاقتها من خلال ممارسة تأثير القوة الناعمة وتشكيل مسار التاريخ والأحداث في المنطقة، إنها تفرض نفسها ليس باستعراض القوة، ولكن من خلال إستراتيجية دقيقة للتأثير... قوة ناعمة منحت الإمارة، في غضون عقود قليلة، مكانة اللاعب المهمَ على الساحة الجغرافية السياسية للشرق الأوسط، وقد عزَز هذا وضعها وصورتها من منتج غاز طبيعي شبه مجهول إلى طرف فعَال على الساحة العالمية.

- وعلى هذه الخلفية تأسست شبكة الجزيرة الإعلامية، وقد تداخل ذلك مع ارتفاع الناتج الاقتصادي لدولة قطر، والاستقرار السياسي النسبي في منطقة مضطربة، وتوزيع معقول نسبيا للثروة، ونظام تعليمي جيد، وإرادة سياسية للتأثير في قلوب وعقول ملايين الأشخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

- بدأ كل شيء مع وصول أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة. وقد سعى الأخير إلى تحقيق مصلحة أمته من خلال الاستفادة من قدراتها ومواردها. كان أحد قراراته الرئيسية هو تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى العالم عبر الطرق البحرية بدلا من الاعتماد على خطوط الأنابيب التقليدية، الأمر الذي كان سيمنح السعودية اليد العليا. ومارس السعوديون ضغوطا اقتصادية هائلة عندما منعوا أي محاولات قطرية لتصدير غازها عبر خط الأنابيب إلى دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. ومع ذلك، بفضل البنية التحتية المتطورة للغاز الطبيعي المسال، تمكنت قطر من الاستفادة من الحوض الذي تشترك فيه مع إيران. وحوَلت الإيرادات الهائلة التي تلت ذلك قطر إلى أكثر دول العالم ازدهارا.

- أثارت هذه الإنجازات حفيظة حكام السعودية، التي كانت تأمل في قص أجنحة قطر واستعادة الوضع الراهن الذي كان قائما قبل عام 1990، حيث كانت قطر تعتبر مجرد دولة تابعة للسعودية، وبعد سلسلة من المواجهات المنخفضة الحدة بين دوريات الحدود القطرية والسعودية في أوائل التسعينيات، حرض حكام السعودية على محاولة انقلاب (بالاشتراك مع الإمارات والبحرين) ضد القيادة القطرية الجديدة في فبراير 1996، وأثر هذا العمل السري بشدة في العلاقات السعودية القطرية، ودفع القيادة القطرية للانخراط في الدبلوماسية بنشاط، وكذلك توسيع شبكتها مع العديد من اللاعبين السياسيين الدوليين.

- دفعت الثروة القطرية المتزايدة في منطقة مضطربة الدوحة إلى وضع خطة طموحة لمستقبل البلاد من خلال تعزيز أصول القوة الناعمة للدولة ومبادرات الدبلوماسية العامة. وأظهرت هذه الخطة البلاد كما لو أنها مركز دولي متعدد الطبقات، يجذب المستثمرين والعلماء والعقول والمهنيين والناشطين معا، وفي مقابلة عام 2014، أكد رئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم آل ثاني، الذي يُعتبر أحد المهندسين الرئيسيين في حملة قطر من أجل التأثير الإقليمي، أن الدافع الرئيسي للقيادة القطرية كان تأهيل البلاد لتكون دولة، لا مجرد إمارة، وقوة رائدة في المنطقة بغض النظر عن صغر حجمها.

- حدَدت الخطة المذكورة الخطوط العريضة لإستراتيجية قطر الوطنية الكبرى، والتي مهدت الطريق بعد ذلك لمتابعة العديد من الإستراتيجيات الفرعية. وتمثلت إحدى الخطوات الحاسمة في تحويل قطر إلى مركز معرفي في منطقة "الشرق الأوسط" من خلال العديد من المشاريع التعليمية والعلمية والثقافية التي تقودها مؤسسة قطر. وأسست هذه الأخيرة المدينة التعليمية، وهي حرم جامعي على أحدث طراز تبلغ مساحته 14 كيلومترا مربعا استضاف، ولا يزال يستضيف، ثماني جامعات دولية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، بالإضافة إلى مراكز ومرافق بحثية محلية. بالإضافة إلى ذلك، كانت خطة الدوحة أن تصبح مدينة ثقافية نابضة بالحياة من خلال إنشاء سلسلة من المتاحف ذات المستوى العالمي. كما كان تخصيص الموارد للدبلوماسية الرياضية مجال تركيز إستراتيجي إضافي.

- وتمثلت إستراتيجية فرعية أخرى في تأسيس الدوحة محورا رئيسيا ضمن شبكات النقل الجوي العالمية من خلال إطلاق الخطوط الجوية القطرية في عام 1997. وكان الهدف من هذه الأخيرة أن تصبح رائدة في صناعة الطيران. كما تصورت القيادة القطرية أن المطار الدولي في البلاد هو الرابط بين الرحلات الطويلة والرحلات الإقليمية. وغني عن القول إن ظهور الخطوط الجوية القطرية (وشركات الطيران الخليجية الأخرى) يشكل منافسة مباشرة مع شركات الطيران الأوروبية ومراكزها الخاصة، والتي كانت تقليديًا هي المتلقية لتدفقات حركة المرور بين الشرق والغرب.

- وكان المسعى السادس (والأول ترتيبا زمنيا) يهدف إلى جعل قطر مركزا سياسيا وإعلاميا، ومن خلال هذا المركز، تمتلك الأمة الوسائل للتوسط والمبادرة والتفاعل مع القضايا والأحداث الدولية مع إنشاء إمبراطورية إعلامية قوية. وسعت في حل بعض القضايا الملتهبة في المنطقة، واقترن هذا مع تراجع نفوذ الدبلوماسية لكبار اللاعبين في المنطقة (مثل مصر والسعودية) بشكل مطرد خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وأعطت الثروة الكبيرة للبلاد نفوذا أكبر للعائلة الحاكمة في قطر، ويقول بعض النقاد إن قطر استخدمت وسائلها المالية للانخراط بشكل أساسي في "دبلوماسية دفتر الصكوك".

- في فترة ما بعد الحصار الخليجي على قطر، يبدو أن أصول القوة الناعمة ومبادرات الدبلوماسية العامة أتاحت نوافذ واسعة من الفرص لدبلوماسية قطر. أظهرت الشبكة الدبلوماسية الكبيرة التي بنتها الدوحة عبر مجالات الأعمال والإعلام والأكاديمية والثقافية فائدتها في أوقات الحاجة. وحشدت منظمات مثل QNHRC، ومؤسسة قطر، ومتاحف قطر، على سبيل المثال لا الحصر، علاقاتها لنشر الوعي حول الحصار الذي تواجهه الدولة. وقبل الحصار، استثمرت قطر بكثافة في أصول القوة الناعمة لدرجة أن جيرانها أصبحوا منزعجين بشدة. وبالتالي، استهدفت حملات التشهير الدوحة قبل أزمة الحصار بوقت طويل.

- وأما عن نقد الإعلام الغربي حفل الافتتاح الجميل، والتشفي في خسارة قطر أمام الإكوادور، فهذا دليل آخر على أن الغرب لا يستطيع التمدد خارج عباءته الحضارية ولا نسيان عقده التاريخية تجاهنا، وما هو في ذلك بملوم. فبيننا وبينهم 1300 عام من الجدل الكلامي، و1435 سنة من الحروب. إنما اللوم على من ينتظر إنصافَهم. ويبقى أن الأهم، عمليا، أن كأس العالم لكرة القدم يسح لقطر بتعزيز قوتها الناعمة.

قراءة 69 مرات آخر تعديل في الإثنين, 21 نوفمبر 2022 12:20