الثلاثاء, 22 نوفمبر 2022 17:40

هيمنةُ السلطة أفسدت معاش الناس...لا شيء يتغير في هذا البلد مميز

كتب بواسطة :

لا شيء يتغير في هذا البلد...السياسة والاقتصاد جامدان...والوضع الاجتماعي والاقتصادي كله مرهون بأسعار الغاز والبترول...

لا شيء يتقدم، ولا شيء يتغير، وإنما هي جوقة المطبلين والمادحين توهم ضحاياها بأن ثمة شيئا ما يتحرك، ولا يرى الناس أي أثر، هناك دعاية فجة مكثفة، لكن الحياة لا تستقيم بما يلقيه وعاظ البلاط على مسامع القوم، والوضع البئيس يراوح مكانه، وما أسهل أن تملأ اللجان والمناصب بالموالين، غير أنهم لا يغيرون واقعا ولا يؤثرون في معاش الناس.

والسيطرة السياسية لن تضمن للسلطة نجاح السياسات المطلوبة، هذا إن كان ثمة سياسات أصلا، يمكن للنظام أن يحصن كيانه بما يجعله غير معرض لخطر التصدع الهائل، لكن هذه القوة محدودة الاستخدام عند محاولة تنشيط الأداء الاقتصادي المترهل أو تحسين قدرة عموم الناس على الكسب وتلبية احتياجاتهم، وهذا لن تنفع معه قوة ولا أجهزة ولا هيمنة وإنما هي السياسات الرشيدة وحسن التدبير، وهذا بعيد كل البعد عن سلطة الفوضى والتخبط. الوصول إلى ذروة التسلط والتحكم لن يجعل البلاد أكثر استقرارا ولا يُمكَن من تجاوز الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، ونتيجة السيطرة المطلقة كانت دائمة كارثية، ليس في بلدنا فحسب، بل في كل بلاد الغلق والهيمنة: تصحَر سياسي، وبلد مصدوم، ومجتمع مهزوز موبوء..

هذا لن يستوعبه الغارق في أوحال السلطة المنغلقة، ولن تُسمع كلمات الناصحين والمشفقين من به صمم وأعمته الغطرسة وبات معزولا عن عالم الحقيقة، لكن البلد كله يدفع ضريبة هذه السلطة المطلقة، إذ ليس هناك أسوأ من حكم الفرد، وليس هناك أخطر ولا أسوأ من أن تكون إرادة فرد من الناس، أيا كان، لها قوة القانون النافذ، هذا يدمر الحياة ويسمم الأجواء ويكتم الأنفاس ويهوي بالمجتمع إلى قاع سحيق..

هيمنة السلطة تُولَد مشاكل أخرى، ومنها ما يُعرف بـ"مفارقة القوة"، وأحد مظاهر هذا التناقض هو العلاقة العكسية بين مقدار القوة التي يجمعها الحاكم أو جناح ما في الحكم وإحساسه بالأمان: فكلما زادت القوة التي يتمتع بها، قلَ شعوره بالأمان.

في الأنظمة الاستبدادية، يكتسب النافذ القوي السلطة عادة من خلال تدمير الخصوم، الأمر الذي يؤدي حتما إلى صناعة خصوم وأعداء ومتربصين داخل النظام نفسه.. ومن غير المرجح أن تهدئ قوة التسلط والهيمنة الخوف من "المتآمرين" و"المتربصين" داخل، سواء أكانوا حقيقيين أم متخيلين، وسلطة الجناح القوي محدودة دائما، لأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وتصنع من الأعداء ما لا طاقة لهم به، ولا قدرة لها على ضبط الوضع خارج عالم الحكم.

وعلى الرغم ممَا يُبذل لإحياء المد القومي "الوطنجية" في الفترة الأخيرة، فإن مثل هذا التفكير فقد جاذبيته، ويحتاج إلى "كاريزما" لا أثر لها في أروقة الحكم اليوم. والاستثمار في "القومية" ليس مضمونا وحصاده مُرَ.

ثم، وهذا الأهم والأسوأ في الوقت ذاته، هذه السيطرة والسلطة المهيمنة قليلة الفائدة في تنفيذ السياسات المُدَعاة والمزعومة، فلا تُثمر نموا مُستداما ولا تحسن القدرة الشرائية ولا تخفف معاناة الناس في معاشهم، إذ يتطلب تحقيق حاجات الناس إرادة وسياسات ورؤية وتصور عملي وتحكم في بيروقراطية الإدارة، وهذا كله، وغيره، بعيدا عن قدرة الحكم، إذ لا يلزم من السيطرة وهيمنة الحكم، حسن تدبير شؤون الناس وتخفيف معاناتهم، بل كثيرا ما تفسد فرط القوة والسيطرة حياة الناس ومعاشهم، وهذه حقيقة لا تكاد تستوعبها الأنظمة المنغلقة.

قراءة 141 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 23 نوفمبر 2022 06:01