الثلاثاء, 27 ديسمبر 2022 14:20

توقعات 2023 وما بعدها....العصر الجغرافي السياسي الجديد مميز

كتب بواسطة :

يرى مراقبون ومحللون في الاجتياح الروسي لأوكرانيا، والحشد العسكري الصيني، عهدا جديدا من التنافس بين القوى العظمى، وكان الرئيس الأمريكي، بايدن، قد وصف هذا بـ"العقد الحاسم". ولكن نادرا ما تعبر التسميات والأوصاف حقيقة اللحظة التاريخية الراهنة، وهي بداية حقبة ما بعد الحرب الباردة التي قد يتفكك فيها النظام العالمي المُصمم أمريكيا لشدة التنافس والتزاحم بين القوى المؤثرة فيه. لقد حطم الغزو الروسي لأوكرانيا القاعدة التي أُرسيت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تنص على أنه لا ينبغي تغيير الحدود بالقوة، وأعاد إحياء شبح الحرب النووية لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة.

لكن روسيا لا تمثل سوى المشكلة "الحادة" من المنظور الأمريكي، إذ التهديد الأكبر للنظام العالمي يأتي ما يسميه البنتاغون بتحدي "السرعة" من الصين، الدولة الوحيدة التي لديها القدرة على منافسة أمريكا باعتبارها قوة بارزة في العالم. القوات المسلحة الصينية تتوسع بسرعة. لديها بالفعل أكبر قوة بحرية في العالم، وثالث أكبر قوة جوية، ومجموعة كثيفة من الصواريخ ووسائل شن حرب في الفضاء والفضاء الإلكتروني. ولكن ماذا لو تحولت الصداقة "بلا حدود" بين روسيا والصين إلى تحالف فعلي؟ في الوقت الحالي، هناك القليل من الأدلة على مساعدة الصين في حرب روسيا. ولكن يعتقد المراقبين أن الاثنين سيقتربان، وقد يؤدي هذا إلى سباق تسلح جديد.

ويحدث هذا التحول في وقت تراجع فيه الثقل النسبي لأمريكا في الاقتصاد العالمي. على مدى القرن الماضي، كان الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا أكبر بكثير من منافسيها: ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفيتي والصين في الحرب الباردة. ومع ذلك، فإن الناتج المحلي الإجمالي الصيني في هذه الأيام ليس بعيدا عن نظيره الأمريكي. والإنفاق الدفاعي الأمريكي، على الرغم من ضخامة قيمته من حيث القيمة المطلقة، كان قريبا من أدنى مستوياته التاريخية بالنظر إلى أنه حصة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد بدأ هذا في التغير، بعد أن صوت الكونجرس في 23 ديسمبر الجاري للموافقة على زيادة الإنفاق الدفاعي أكبر بكثير مما طلبه الرئيس بايدن. ويُعاد النظر، أيضا، في النظريات الجغرافية السياسية القديمة.

في عام 1904 جادل عالم الجغرافيا الإستراتيجية البريطاني هالفورد ماكيندر بأن من يسيطر على قلب أوراسيا، تقريبا بين البحر المتجمد الشمالي وجبال الهيمالايا، يمكنه قيادة العالم. في هذا التحليل، يمكن لتحالف بين روسيا والصين أن يشكل تهديدا خطرا. في المقابل، رأى الأمريكي المعاصر لماكيندر، ألفريد ثاير ماهان، أن السيطرة على الممرات البحرية التجارية كانت مفتاح القوة العالمية. في مكان ما بين الباحثين، جادل الأمريكي نيكولاس سبيكمان، في عام 1942 بأن ما يهم ليس قلب أوراسيا بل حافتها. ورأى أن الأراضي الحدودية البحرية الممتدة من المحيط الأطلسي، عبر البحر الأبيض المتوسط، حول جنوب آسيا إلى اليابان هي الأرض الحيوية. وكتب "من يسيطر على منطقة ريملاند يحكم أوراسيا"...و"من يحكم أوراسيا يتحكم في مصائر العالم".. وفي سعيها لتعزيز تحالفاتها لموازنة منافسيها من أوراسيا، يبدو أن أمريكا هي الأقرب إلى أطروحة سبايكمان.

في الطرف الغربي، تم تنشيط الناتو لتقوية أوروبا ومواجهة روسيا، ولاحظنا تعزيز القوات الأمريكية والقوات المتحالفة الأخرى على طول الحدود مع روسيا. في غضون ذلك، اشتد الحديث في الطرف الشرقي من الحافة عن حرب مستقبلية مع الصين على تايوان، خاصة منذ زيارة مثيرة للجدل للجزيرة في الصيف الماضي لرئيسة مجلس النواب الأمريكي، آنذاك، نانسي بيلوسي. قد يكون الرئيس الصيني "شي" مُنشغلا بالمشاكل الداخلية لبلاده، وليس أقلها تباطؤ الاقتصاد والاضطرابات في سياساته المتعلقة بوباء كورونا، لكن المسؤولين العسكريين الأمريكيين، على وجه الخصوص، يقولون إنه يريد تطوير القدرة العسكرية للاستيلاء على تايوان بحلول عام 2027. ليس لأمريكا تحالف شبيه بحلف شمال الأطلسي في آسيا لتقييد الصين.

وبدلا من ذلك، تدير نظاما محوريا لاتفاقيات الدفاع الثنائية مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين وتايلاند، وهذه الدول ليس لديها التزامات تجاه بعضها بعضا. ولتمتين العلاقات، تعمل أمريكا على توسيع المخططات الخاصة. "العيون الخمس" (مع أستراليا وبريطانيا وكندا ونيوزيلندا) تشارك المعلومات الاستخبارية، و"أوكوس" aukus (مع أستراليا وبريطانيا) تسعى لتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية وأسلحة أخرى، وتناقش الرباعية (مع أستراليا والهند واليابان) كل شيء من اللقاحات إلى الأمن البحري. وضعت كوريا الجنوبية واليابان المظالم القديمة جانبا لإجراء تدريبات مشتركة، وسط عمليات إطلاق صواريخ مكثفة (وتجربة نووية متوقعة) من قبل كوريا الشمالية. أعلنت اليابان عن خطط لمضاعفة الإنفاق الدفاعي على مدى السنوات الخمس المقبلة ، لكنها لا تزال تعيق تقليدها السلمي. ولا تقيم جزيرة تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي علاقات دبلوماسية رسمية مع معظم الدول وهي مستبعدة من العديد من التدريبات العسكرية الإقليمية الأمريكية.

وأشار بايدن مرارا إلى أنه سيدافع عن تايوان ضد الغزو الصيني، لكن لا يزال هناك كثير من الأمور غير الواضحة، وبموجب مبدأ "الغموض الإستراتيجي"، فإن أمريكا لن تحدد بدقة الظروف التي قد تتدخل فيها وماذا ستفعل، خاصة في حالة الهجمات "الرمادية" مثل الحصار. وقد عملت إدارة بايدن على جذب أعضاء ASEAN، المجموعة الإقليمية لجنوب شرق آسيا، لكن في الغالب لا يريدون أن يضطروا للاختيار بين الصين، شريكهم التجاري الرئيسي، وأمريكا، الضامن الرئيسي للأمن الإقليمي. ولا تزال الهند الجائزة الكبرى للإستراتيجيين الأمريكيين. وربما تمثل أهم علاقة ثنائية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. في غضون ذلك، سعى الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون في شرق ووسط آسيا إلى تقليص التزاماتهم العسكرية بعد عقود من الحرب غير المثمرة في العراق وأفغانستان.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز في وقت سابق من هذا العام، والذي تفاقم بسبب الحرب في أوكرانيا، أعاد تأكيد الأهمية الجغرافية السياسية للخليج. أما بالنسبة للعالم الأوسع، فإن دعم الغرب في جنوب الكرة الأرضية هشَ. تعتبر عديد من الدول نفسها ضحايا حرب بعيدة في أوروبا أدت إلى زيادة أسعار الوقود والغذاء، وحرفت الانتباه الدولي عن أزمات أخرى. ثم، هم لا يريدون أن يجدوا أنفسهم في خضم حرب باردة بين أمريكا والصين. والقلق الدائم الآخر يتعلق بالديمقراطية في الغرب، ولا سيَما في أمريكا، بعد ما يقرب من عامين من اقتحام الغوغاء المؤيدين لترامب لمبنى الكونغرس. يبدو أن أمريكا تبتعد عن ترامب ورفاقه، لكن سياساتها لا تزال مستقطبة بشدة.

قراءة 81 مرات آخر تعديل في الأحد, 01 جانفي 2023 13:54