الجمعة, 30 ديسمبر 2022 19:10

أثر اللاعب العالمي "بيليه" في التاريخ السياسي جزائري مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

في السابع عشر من يونيو (جوان) سنة 1965، شهد ملعب وهران مباراة بين المنتخب الجزائري والمنتخب البرازيلي، بقيادة أسطورة كرة القدم وأحد أفضل من لمس الكرة على مرّ العصور: بيليه. الأجيال التي عاصرت تلك المرحلة من الجزائريين لا يتذكّرون من المباراة سوى تفصيلة صغيرة طريفة، وهي أن لاعب المنتخب الجزائري، الجيلالي سالمي نجح في مراوغة بيليه بحركة الجسر "تيبو"؛ وهذا بالنسبة لهم انتصار معنوي بالنظر لما يمثّله بيليه وشخصيته الأسطورية في كرة القدم، ثم سيسترسلون في الحديث عن أمجاد شباب بلوزداد "بيلكور" ولالماس وباقي النجوم، أما نتيجة المباراة التي انتهت بثلاثة أهداف مقابل صفر لصالح المنتخب البرازيلي فتعدّ مجرد تفاصيل هامشية. ي

حقّ لنا أن نتساءل أسئلة مشروعة، بمعاييرنا الحالية وبنظرتنا لجزائر 2022: ما الذي يدفع الأسطورة بيليه لزيارة دولة نامية من دول العالم الثالث؟ ولماذا سيزور هذا البلد الإفريقي غير المعروف على الساحة الدولية؟ حلول الأسطورة بيليه بالجزائر حينها، من دون مبالغة، مثّل لقاءً للسحاب، فهاهو الأسطورة ذو 25 سنة في أوجّ تألّقه الكروي وقيادته منتخب البرازيل للفوز بكأسي العالم سنتيْ 1958 و1962، وكانت قد بلغت شهرته حينها مستويات خيالية وأصبح الرئيسي لكرة القدم طوال عقد الستينات.

أما الجزائر التي حازت، لتوّها، استقلالها، فلم تكن أقلّ أيقونيّة ووزنًا على الصعيد العالمي حينها، فـ"مكّة الثوّار" كما سمّاها أميلكار كابرال كانت تستضيف خلال تلك الفترة مختلف الحركات التحرّرية حول العالم، وكانت تجربتها في إشعال شرارة الحرب التحريرية ونجاحها التاريخي في طرد الاستعمار الفرنسي وقيادتها لحركة العالم الثالث جعلتها "البلد الحُلم" بالنسبة لشعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وأشبه بالمزار المقدّس بالنسبة لأيقونات العمل الثوري المعادي للإمبريالية والاستعمار، وليس من قبيل الصدفة أن السنة التي زار فيها الأسطورة "بيليه" الجزائر قد احتضنت المناضل الأرجنتيني "تشي جيفارا" للمشاركة في ملتقى اقتصادي حول التعاون بين شعوب العالم الثالث، فالجزائر طوال عقد الستينات مثّلت بالنسبة لأي مثقّف يساري معادٍ للإستعمار والإمبريالية، ولكل صاحب قضيّة سياسية أو مُعارض مضطهد: أرضَ الميعاد ونموذجًا ثوريًا تحرّريًا للاقتداء وفسحة للنشاط الثوري والسياسي، وقد كانت مشاركة "جيفارا" في الملتقى الاقتصادي في الجزائر، هي آخر ظهور علني له، ليتوفّى بعدها بثلاث سنوات إثر إمساكه من وكالة "السي آي إيه" الأمريكية، بالتواطؤ مع النظام البوليفي.

لكن الدور الذي لعبته الجوهرة السمراء بيليه في التاريخ الحديث للدولة الجزائرية كان أكبر من مجرّد المشاركة في مباراة وديّة ضد المنتخب الجزائري، ولعلّ القارئ المنتبه قد استفزّه التاريخ الذي ذكرته في بداية المقال، 17 جوان 1965، أي قبل يومين فقط من تاريخ انقلاب وزير الدفاع هواري بومدين على أوّل رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، إذ استغلّ بومدين انشغال بن بلة بهذا الحدث المحوري المتمثّل في زيارة "بيليه" إلى الجزائر ومتابعته مجريات المباراة في ملعب وهران، ليضع اللمسات الأخيرة على انقلابه الأبيض ويزيح بن بلة عن هرم السلطة.

إن التاريخ، تمامًا مثل كرة القدم، مليء بالمفارقات الساخرة، حيث يلتقي التوقيت الحاسم مع سلسلة من الأحداث والظروف والمُلابسات لتتظافر كلّها وتصنع حدثًا قد يغيّر مجرى بلدان بأكملها، ومن سخريات التاريخ ومفارقاته العجيبة، أن تصبح زيارة بيليه للجزائر في ذلك التوقيت الحسّاس وبتلك المُلابسات، إحدى المحطّات المفصلية في مسار الجزائر، وبذلك أسهمت الجوهرة السمراء ولو عن غير قصد في كتابة التاريخ الحديث للجزائر المستقلة؛ وكما جاءت زيارة "بيليه" التي كانت تهدف أساسًا إلى دعم الجزائر الفتيّة المستقلّة حديثًا والتي تطمح لتقود العالم الثالث نحو التحرّر والانعتاق، والتأسيس لأفق عالمي جديد وسياسة دولية مختلفة، جاء الانقلاب العسكري للراحل الهواري بومدين ليُذكّر العالم بتناقضات دول العالم الثالث البارعة في رفع سقف التطلّعات والآمال والأحلام.. ثم تحطيمها بسرعة قياسية.

وداعًا بيليه.. سيتذكر العالم مهاراتك الكروية وتاريخك الرياضي الحافل وكؤوس العالم الثلاثة التي جلبتها للبرازيل، أما كتب التاريخ السياسي الجزائري فستتذكر زيارتك الفريدة في صيف جوان الساخن سنة 1965.

الصورة من اليمين إلى اليسار (غارينتشا، بن بلة، بيليه)

قراءة 87 مرات آخر تعديل في الجمعة, 30 ديسمبر 2022 19:22