الجمعة, 20 جانفي 2023 11:16

هل تحوَل المغرب، حقا، إلى "تهديد وجودي للجزائر"؟ مميز

كتب بواسطة :

القول بأن "المغرب يتحول إلى تهديد وجودي للجزائر"، من المبالغات في تقدير الوضع والموقف... والقصة باختصار أن المخزن، يبحث عمَن يحمي عرشه أو مظلة أمنية تظله وتمنع عنه التهديدات أو يتقي بهام آلات سيئة في نزاعه الطويل مع الجزائر. وعبارة "تهديد وجودي" تُستعمل في الغالب لتضخيم خطر والتهويل من شأنه، والتسويق لتحركات وقائية وسباق تسلح، أو كتما لأنفاس الداخل والمبالغة في تقدير خطورة "العدو".

وكثيرا ما تصدُر عن قادة صهاينة في حديثه عن "الخطر الإيراني"، فلأول مرة منذ سنوات طويلة يقرر جهاز الأمن الإسرائيلي في وثيقة رسمية أن هناك تهديدا حقيقيا لوجود دولة "إسرائيل"، وكان هذا في خطة العمل السنوية للجيش الإسرائيلي للعام 2009، عرَف إيران رسميا بأنها "تهديد على وجود دولة إسرائيل”، بكل ما يعنيه ذلك من الاستعداد والتسليح والتدريب وصناعة دعاية حربية، والتحريض والحشد، والتهديد الأكبر للجيش الصهيوني، وهكذا صنعت الدعاية الإسرائيلية من إيران وحشا كاسرا يقترب من "حدودها"، فجمعت له الجموع ونسجت تحالفات ممتدة وصلت إلى المغرب، لكن هل حقا إيران "تهديد وجودي لإسرائيل"، لا أحد من عقلاء السياسة والنابهين منهم يصدق هذا، فالصراع مستويات، وما بينهما صراع منخفضة المستوى، وهذا قريب ممَا بين الجزائر والمغرب، مع فارق الجغرافيا، من النوع الذي يمكن إدارته بأقل الخسائر والأضرار إن كان ثمة عقل وإرادة.

وأكثر حروب اليوم بالوكالة، و"إسرائيل" لن تقدر على حماية المخزن ولا توفير مظلة أمنية لعرشه، ولا تملك قوة أمريكا، بل إنها في المسألة الإيرانية، حاولت وعملت على جرَ الولايات المتحدة في تصعيدها وحربها ضد إيران، وما استطاعت، فأمريكا لن تقاتل نيابة عن أيَ حليف لها، ولو كانت "إسرائيل"، تدير الحروب والصراعات بأقل خسائر ومن دون التورط المباشر وبالاستنزاف، كما تصنع اليوم مع روسيا على الأراضي الأوكرانية، ولم تنجر إلى هذا إلا بعد أن اتخذ بوتين قراره الكارثي بالحرب واجتاح بعض مناطق أوكرانيا مقتربا من العاصمة كييف.

والخطر الحقيقي قادم من دخول "إسرائيل" على خط الصراع، والمخزن المغربي استدعاه طلبا للحماية والدعم والإسناد والتورط في دفع ما يراه تهديدا، لكن السؤال هنا: هل "إسرائيل" قادرة على حماية حلفائها؟ يدرك المهتمون بشؤون الإستراتيجيات أن "إسرائيل" غير قابلة للتوسع ولا تقدر على التمدد، فأكبر ما يواجهها اليوم هو انقسام الداخل، الاجتماعي والسياسي والديني، وخطره على حكمها، ومعركتها الكبرى هي السيطرة على الوضع داخل الأراضي المحتلة واحتواء خطر المقاومة عليها، وهذا لم تتمكن من كسبه، ولن تتمكن، فكيف بها تحسم الموقف خارج حدودها المغتصبة؟!

خطورة المخزن تكمن في محاولته تضخيم قدراته العسكرية وتعزيز الجبهات الساخنة والنفخ في الدعاية وصناعة "العدو" والارتماء في أحضان الكيان العبري تعويلا واعتمادا عليه للاستقواء وتحقيق أطماعه، لكن ليس بمقدور "إسرائيل" أن تخوض الصراع نيابة عنه ولا أن تحسم الموقف لمصلحة المخزن، ما يهمها أكثر هو توسيع حدود أمنها القومي واستنزاف المنطقة المغاربية في صراعات ومعارك داخلية وإشغالها بشدة البأس بينها.

والأسوأ أن الملك محمد السادس، خلافا لأبيه، ضعيف الحكم مهزوز ترك شؤون التدبير لمستشاريه، وهم من يدير دفة الحكم فعليا، ويرون في "إسرائيل" أوثق حليف، فأمريكا تخففت من أعباء المنطقة وتركتهم لمصيرهم، وهذا الاتجاه تعزز منذ عهد أوباما، غير أنها معنية بالتوازن الإستراتيجي في مناطق الصراع، فلا تريد للمخزن أن يتضخم عسكريا على حساب الجزائر، وتراقب التحالف العسكري بين المخزن و"إسرائيل"، وما عاد لإسرائيل تلك السطوة على العقل السياسي الأمريكي، فتأثير الكيان العبري في الموقف والسياسات الأمريكية يتراجع باستمرار، وهذا واضح في الموقف من إيران.

خطرُ المخزن بالذهاب بعيدا في التحالف مع الكيان الصهيوني لا تخطئه عين المراقب، ولا ينكر هذا إلا من حُجبت عنه الرؤية أو مُتملق للمخزن أعماه الانتقام، ومن يساوره شك في خطوة المخزن فعليه أن يفرق بين معارضة النظام وإدراك الحقائق كما هي والمبادئ الكبرى والقيم العُليا، فأكبر تهديد خارجي على البلد هو التحالف العسكري المخزني الصهيوني، لكن لا يصل إلى "التهديد الوجودي"، وإنما يُقدر التهديد بقدره ويُحتاط له لكن لا يُنفخ في أوصاله ويُصنع منه الداهية الدهياء، حتى لا نقع في فخ التهويل والتحريض المتبادل والحشد والاستنزاف، وتسويغ ما لا يسوغ من الغلق والخنق، أو التخيير بين الحرية والأمن، فكأنما وجود أحد الطرفين يستلزم انعدام الآخر، وهذا مُراد السلطة ومغنمها...ثم ما بعد "التهديد الوجودي" إلا الاستعداد لإعلان الحرب، وهذا عينُ ما تريده أطراف في الداخل والخارج!!

إدارة الصراع مع المخزن ما دون الحرب مُمكنة، وحضور "إسرائيل" قريبا من الحدود لن يحسم الصراع لمصلحة المخزن، والجزائر مستهدفة من الرصد الصهيوني لتغيير عقيدة الجيش القتالية والتخريب الداخلي، وهذا من صميم العقلية الصهيونية، ولكن يمكن مواجهته والتحوط منه..

قراءة 70 مرات آخر تعديل في الجمعة, 20 جانفي 2023 13:01