الإثنين, 23 جانفي 2023 17:37

بماذا نواجه اقتراب الخطر الصهيوني من حدودنا؟ مميز

كتب بواسطة :

تشير القرائن والتحركات الأخيرة إلى أن التنافر بين المخزن المغربي والسلطة في الجزائر يزداد حدة، والتصعيد يهيمن على المشهد، المخزن ذهب بعيدا في ارتباطه العسكري بالكيان العبري، وسلطة الجزائر تبحث لها عن مظلة أمنية في روسيا وفرنسا، وكلاهما يدفع نحو الشحن، وثمة مخاوف من تطاير شرارة هذا التصعيد. وثمة دوائر في كلا النظامين تدفع إشعال الحريق، تتطرف في مواقفها العدائية، وتعبث بالوضع، ولا ترى إلا دق طبول المواجهة، وهذا ينذر بمآل بالغ السوء إن لم يُتدارك الوضع.

من المرتقب أن يستضيف النظام المغربي شهر مارس المقبل قمة النقب (2) على أراضيه، تجمع بين الدول العربية المطبعة مع حكومة الكيان بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية عرابة الاتفاق الإبراهيمي، والسلطة في الجزائر قلقة من توثيق النظام المغربي ارتباطه العسكري المتسارع بإسرائيل، وترى فيه خطرا ماحقا، وترد بتكثيف الدعم لجبهة "البوليساريو" والسباق من أجل التسلَح، وهذا الشحن المتبادل يزيد من تعقيد الوضع. الخطر الصهيوني خطر ماحق، واقترابه من الحدود الغربية للجزائر يثير القلق، وهذه مخاوف مشروعة، فإسرائيل وأجهزها الاستخبارية له باع طويل في التخريب والاختراق، والتسليح الإسرائيلي للمغرب، وتدريبه وتجهيزه لحرب العصابات ينذر بما هو أسوأ من التصعيد الحاليَ.

وكان ردَ السلطة أن كثفت تسليح "جبهة بوليزاريو" استعدادا لخوض حرب بالوكالة، وهذا يشحن الوضع أكثر، والسعي لتأمين المظلة الأمنية من روسيا وفرنسا، وكلتا القوتين الروسية والإسرائيلية مستفيدة مما يجري، بيعا للسلاح، وفتح جبهة صراع جديدة، بالنسبة لروسيا خاصة، تشغل الغرب وتشتت تركيزه وتصرفه، قليلا، عن الحرب الأوكرانية، وإسرائيل ترى أن وضعها الإقليمي والدولي مُريح، ولا توجد في الساحة الدولية اليوم جهة تسعى لتتحدى إسرائيل أو قدرتها على أن تولي خُطاها عليها. فالولايات المتحدة تسعى منذ زمن لفك ارتباطها عن الشرق الأوسط، وليس للولايات المتحدة، إذن، رغبة أو قوة لأن تملي على إسرائيل ما عليها أن تفعله.

وبالنسبة لروسيا، فإنها غرقت في الوحل الأوكراني، مما أثبت قيود قوتها وقدرتها على التحرك في المنطقة، لكنها تمر بأسوإ أزمة سياسية داخلية منذ تأسيس كيانها الغاصب، وقد يشغلها هذا عن أي مغامرة أو تورط عسكري في صراع بعيد عنها جغرافيا، لكنها معنيَة باستنزاف الجيوش التي تراها تهديدا مُحتملا، أو لم تتمكن من إخضاعها، ومنها الجزائر، وربما تستعمل المخزن المغربي لاستنزاف جارها الشرقي، غير أن هذا ليس مُتيسرا، ولن يسمح الغرب بصراع مغاربي، إذ سيكون أحد أكبر المتضررين، وخاصة فرنسا وإسبانيا بما يترتب عن مثل هذه الصراعات من تدفق للاجئين، وهذه أزمة مستحكمة عانت منها طويلا، واستفحلت في الفترة الأخيرة، ثم الوضع العالمي، من الحرب في أوكرانيا إلى الركود الاقتصادي إلى التضخم، لا يسمح بأزمة جديدة قريبا من محيطهم الجغرافي.

وكلا النظامين يرى في التصعيد حاجة داخلية لصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية، والتغطية على التهديدات المحلية، لكن المخزن المغربي نقل الصراع إلى مستوى أكثر خطورة وتهديدا للأمن القومي المغاربي، كله، بالارتباط العسكري والمصيري بالكيان الصهيوني، بما لم يسبق له مثيل في تاريخ النزاع الحدودي بين الجزائر والمغرب، وهذا يفرض على الجزائر تحديات إستراتيجية، غير أن ما يقلق أكثر هو سياسة الغلق والخنق التي تعتمدها السلطة، بما يضعف الجبهة الداخلية ويُبعدها عن منطقة التأثير والفعل، وهذا وضع لا يسمح بتعزيز الموقف ولا مواجهة التحدي ولا الاستعداد لأي مخاطر يفرضها اقتراب الكيان الصهيوني من حدودنا الغربية، وما يخطط له مع المخزن، على الأقل على مستوى الرصد والتجهيز.

ما لم تخفف السلطة من قبضتها الحديدية وترفع الحصار عن القوى الاجتماعية والسياسية وتغير من سياساتها العدائية تجاه مخالفيها وخصومها، وتقنع بقدر من الانفتاح، فإن الحديث عن الاستعداد للتحديات ومواجهة المخاطر يصبح بلا معنى ولا جدوى، فليس ثمة سلطة تواجه مخاطر وتحديات بلا مجتمع حي ناهض متحرك. ثم ما تواجهه أكبر من قدرة أي سلطة منفردة، ولا تُعالج الأوضاع الاستثنائية بالتهور والاندفاع والنفخ في التوتر والتطرف في الخصومة، وإنما يتطلب تقدير الموقف اتزانا ورؤية مستوعبة وحسن تدبير وذكاء، وهذا تفتقده السلطة، إذ اختارت مسلك قمعيا خانقا لإدارة شؤون البلد، ممَا أضعف موقفها الخارجي وأغراها بالتفرد والتوحش والتهور، وأفقدها مخزونا من الذكاء والعقل الإستراتيجي والبراعة في التصرف والتدبير.

قراءة 46 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 24 جانفي 2023 06:55