الإثنين, 21 أكتوير 2019 05:18

مأزق الانتخابات وفُسحة نوفمبر مميز

كتب بواسطة :

بقلم: نجيب بلحيمر / كاتب صحفي

خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي تقدمت للسباق تم التعامل معها على أنها مكلفة بتسخين الأجواء، والأسماء التي يجري التعامل معها بجدية هي من رموز عهد بوتفليقة، في حين يمني أنصار الانتخابات النفس بإعلان اسم ما ترشحه في اللحظة الأخيرة، وعندها سيكون هذا الاسم الثقيل مرغما على إحداث معجزة جمع التوقيعات في ظرف قياسي، إنجاز بقي حكرا على الإدارة التي تسخر لخدمة مرشحي النظام في كل الانتخابات السابقة.

الصورة تبدو مخيبة، مرشحون لا علاقة لهم بالعهد الجديد الذي يفترض أن يبدأ بعد ثورة سلمية أثبت من خلالها الجزائريون إصرارهم على تغيير النظام (كما اعترف بذلك بن صالح في خطاب 15 سبتمبر الماضي)، أما الشخصيات التي عول عليها أنصار الانتخابات لإعطاء مصداقية للعملية فإنها لم تتوقف عند رفض الدعوة إلى المشاركة، بل اختارت أن تضرب هذا الخيار في مقتل كما فعل مولود حمروش في حديثه إلى من قصدوا بيته لإقناعه، وكما فعل أيضا علي بن محمد، وشخصيات أخرى كانت ضمن الموقعين على بيان العشرين، فضلا عن عبد العزيز رحابي الذي رغم تحاشيه الحديث عن تاريخ 12 ديسمبر بشكل مباشر، إلا أنه كان واضحا في القول بأن الظروف الحالية غير مناسبة لإجراء الانتخابات.

أما على المستوى الحزبي، فالوضع ليس أقل سوءا بالنسبة للسلطة، فقد أعلنت أحزاب المعارضة رفضها للمشاركة كحد أدنى، ورفضت الانتخابات في حالات أحزاب أخرى، وجاء بيان حركة حمس قويا، إذ إنه حمَل السلطة بشكل مباشر مسؤولية إفشال الانتقال الديمقراطي، وهو ما يعني ضمنا أن العملية الانتخابية هي أداة لهذا الفشل المبرمج.

كل التفاصيل تؤكد المأزق الذي وضعت السلطة نفسها فيه عندما أصرت على استدعاء الهيئة الناخبة حتى قبل أن تنهي هيئة الوساطة والحوار عملها، وقد جاءت عملية تشكيل سلطة الانتخابات على المستوى المركزي كضربة لمصداقية العملية عندما وضعت على رأسها وزيرا سابقا في حكومة بوتفليقة، ونائبا له من مساندي العهدة الخامسة، بينما حفلت قوائم اللجنة على المستوى المحلي بالعناصر التي طالما اعتمدت عليها أحزاب الأفلان والأرندي في تسيير حملات بوتفليقة الانتخابية، ثم جاء تمديد فترة التسجيل في القوائم الانتخابية ليثبت البداية المبكرة لعزوف كبير بما ينسجم مع المسيرات الحاشدة التي أعادت المظاهرات إلى مستويات البدايات الأولى للثورة السلمية.

مع مرور الوقت تتأكد للسلطة حقيقة أن المرور بالقوة ليس بالسهولة التي كانت تتصورها، فالاعتقالات لم تؤثر في درجة تجند الشارع، وحملات التضليل والتشويه التي تقوم بها قنوات التلفزيون العمومية والخاصة أعطت مفعولا عكسيا، والذين عبروا عن نيتهم في الترشح فشلوا في خلق الأجواء الانتخابية المغرية بالمتابعة، وبقي السؤال المطروح هو "هل ستجري الانتخابات أم لا؟" بدلا أن يكون "من هو المرشح الأوفر حظا للفوز؟"، وبين السؤالين مسافة إقناع وتوفير شروط ليس أقلها شأنا إجراء حوار جدي يفضي إلى توافق واسع حول كيفية الذهاب إلى الانتخابات.من الآن بدأ المتدخلون في القنوات التلفازية، الذين تولوا مهمة تبرير وتسويق كل خيارات السلطة على تناقضها، يتحدثون عن احتمال أن تكون نسبة المشاركة ضعيفة، وهم من خلال هذا الطرح يستبقون ما هو متوقع، ويهربون إلى القراءة القانونية التي تجعل انتخاب أقلية لرئيس الجمهورية تفصيلا لا يمكن أن يطعن في شرعيته.

لكن هذا الطرح يتناقض أولا مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إقبال منقطع النظير على التسجيل في القوائم الانتخابية، ويؤكد أن الأغلبية الساحقة من الجزائريين مع الانتخابات، ثم إنه يتناقض مع طبيعة الانتخابات في حد ذاتها، والتي يعتبرها الخطاب الرسمي انتخابات تأسيسية لأنها ستفرز الرئيس الذي سيكلف بتحقيق مطالب الشعب وأهمها التغيير الجذري للنظام السياسي.

وهذه المهمة تتطلب شرعية كاملة لا يمكن أن تمنحها أقلية في انتخابات يرفضها جزء من المجتمع، ويعبر عن رفضها صراحة من خلال المظاهرات التي تعم مختلف مدن البلاد، فضلا عن أنها لا يمكن أن تسند لأحد رموز النظام.باستثناء الأحزاب الموالية للسلطة، لا تجد الانتخابات أي سند سياسي أو شعبي معبر عنه بوضوح، ويحمل خطاب المعارضة دعوة صريحة إلى تأجيل الاقتراع، وهذا يعني فشلا ثالثا للسلطة يقتضي تغيير الخطة برمتها، لكن هذا الخيار يبقى أهون من فرض اقتراع 12 ديسمبر الذي يعني تعميق أزمة السلطة وبشكل تفقد معه كل الخيارات التي بقيت متاحة إلى حد الآن.

وسيكون على أصحاب القرار اليوم أن يفاضلوا بين إنهاء مرور بالقوة، فشل فعليا، والإصرار على الذهاب إلى المأزق الأكبر الذي سيبدأ مباشرة بعد 12 ديسمبر إن تم فرض الانتخابات.

بعد أيام سيلتقي الملايين من الجزائريين في الشوارع بمناسبة ذكرى ثورة نوفمبر، بنفس العزيمة التي حركت الآباء المؤسسين للدولة الجزائرية، ليعلنوا عزمهم على تفكيك النظام بسلاسة في ظل السلمية والهدوء، وإطلاق مشروع الجزائر على قاعدة توافق جديد وضعت أسسه الثورة السلمية، ومرة أخرى سيمنح نوفمبر فرصة تاريخية لمن يملكون سلطة القرار لقراءة الواقع بشكل صحيح والتصرف بما يليق بهذا الوطن ورصيده الثوري المجيد.

قراءة 207 مرات آخر تعديل في الجمعة, 25 أكتوير 2019 06:11