الثلاثاء, 29 أكتوير 2019 18:33

السلطة الفعلية تفقد السيطرة، تدريجيا، على الوضع: القضاة يُقرَون بعدم الاستقلالية مميز

كتب بواسطة :

كثر الجدل واللغط عن إضراب القضاة واحتجاجاتهم، عن خلفياته وتوقيته وحساباته، وهذا قد لا نعرف عنه كثيرا، ولا يمكن طرد الشكوك حول دوافع التحرك، خاصة أنه لا يُعلن عن القضاة، إجمالا، موقف قوي وجريء عملي داخل المحاكم، وربما الاختبار الحقيقي في الفترة الأخيرة.

كان مع معتقلي الرأي والحراك، فلم يتحركوا، وسايروا السلطة الفعلية في هجومها العنيف والقاسي وحملات التخويف لناشطي الحراك، وكانت جلَ أحكامهم صادمة من الحبس المؤقت والتمديد، وإن كان موقف القاضية التي أطلقت سراح الناشط السياسي، كريم طابو، في اعتقاله الأول، يكشف بعض حالات النزاهة لدى بعض القضاة، وقد عوقبت على صنيعها..

لكن، وهذا الأهم في المعركة الشعبي السلمية الضاغطة ضد الاستبداد وسلطة القهر السياسي والتغلب، أن الحركة الاحتجاجية للقضاة تكشف فقدان الحكم السيطرة والتحكم في الوضع، إلا ما كان من أحهزة القمع والحصار الأمني...الحراك قلب الطاولة عليها وأربكها وهي الآن تتخبط...

ثم الأهم الآخر، أن القضاة أقروا بعدم الاستقلالية وهذا يقصم ظهر السلطة الفعلية، ويعرَيها أمام الرأي العام، أن الإخضاع هو منطق الحكم، ولا يرضى بأقل من الانبطاح لمساكه وتعليماته وخريطة طريقه، وهذا الإقرار من القضاء مكسب للحراك في معاركه الحاسمة لإحداث القطيعة مع عهود الظلام والانحطاط. إذ الحرية هي أول شرط لوجود العدالة، وحيث لا حرية فلا عدالة..

وهذا التحرك من القضاة غير مسبوق، بقطع النظر عن دوافعه، لكنه مُربك للسلطة ومُعقَد لمهمتها، ويعتبره بعض المراقبين بأنه "تمرد لجهاز معروف تاريخيا بتوافقه وإخضاعه للنظام والسلطة، وهو أحد الأدوات المخيفة"، وكل هذا ما كان ليكون لولا  تحرك الشارع الضاغط والنهوض الشعبي الواعد."عدالة الهاتف" هو الوصف أو العار الذي لحق بالقضاء ويلخص حجم السقوط الأخلاقي والقانوني للسلطة القضائية، وما آلت إليه أوضاع التعفن داخلها، وما عُرف عن العهد البوتفليقي من إخضاع جميع المؤسسات لأهوائه وحكم عائلته والعصابة التي رعاها على عينه.والمجلس الأعلى للقضاء، والمفترض أن يكون ضامنا لاستقلال القضاة والقضاء، كان تابعا ذليلا للسلطة التنفيذية، ويخضع لسيطرة الرئيس ووزيره للعدل، أو كما سماه بعض القضاة "تضخم السلطة التنفيذية وهيمتها على السلطة القضائية"، فهل ما يحدث هو "ثورة داخلية" أو "صحوة ضمير" أو "تصفية حسابات قديمة"، لا يهم كل هذا، ولا نجزم بأي منها، لكن الأهم أن القضاء تحرك وانتفض، وزاد بهذا تخبط السلطة الفعلية وعزلتها عن محيطها..

قراءة 196 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 29 أكتوير 2019 19:26