الأحد, 24 نوفمبر 2019 23:18

"الجزائر العميقة" لا تنتخب مميز

كتب بواسطة :

اختار الخمسة أن يتخذوا من الولايات الداخلية ساحة لحملتهم الانتخابية بدأها بن قرينة قبل الأوان من مدينة تندوف لكنه سمع ما لم يتوقعه "أولاش الفوط"، نعم بهذه الصيغة التي قيل إنها علامة اختراق الثورة السلمية في البريد المركزي، لكن إنكار ما حدث في تندوف كان أمرا يسيرا، خرج بن قرينة تحت هتاف من طلبوا منه الرحيل وركب سيارته، وبعدها اكتشفنا ما قاله داخل القاعة من تسفيه للمشاركين في المظاهرات في كل مكان.

منذ شهور ونحن نسمع تلك المقولة التي أطلقت في الصيف ( شهر جوان تحديدا) بأن الجزائر ليست البريد المركزي وأودان، وأن ما نراه هناك في العاصمة لا يمثل الجزائر، كدنا نصدق القصة لولا الفشل في العثور على شعارات مناقضة لما يرفع في العاصمة، فكل الولايات تردد نفس الهتافات وفي نفس التوقيت، وهذا ما تخبرنا به الفيديوهات التي يتم تداولها عبر فيسبوك كل جمعة.

كانت مقولات "ثوار البريد المركزي" و"حراك البريد المركزي وأودان" تبدو جزءا من الحرب على الثورة السلمية، التي قامت أولا على بث الفرقة بين الجزائريين، وعلى عزل بقية المدن، والداخلية منها على وجه التحديد، عن العاصمة، لكن الأمر لم يكن مجرد حرب نفسية، كان قناعة قديمة ترسخت لدى السلطة التي طالما نظرت إلى تلك المناطق كخزان أصوات يتم اللجوء إليه في المواسم الانتخابية عندما يسخر التلفاز العمومي كل إمكاناته ويجند الألف صحفي الذين يدفع أجورهم لتغطية الحدث التاريخي الذي تدل عليه صور الطوابير أمام مراكز الاقتراع، صور ارتبطت بانتخابات 1995 التي جرت في أجواء الحرب، وتكررت في 1997 عام التزوير العظيم، وأصبحت بعدها ملازمة للانتخابات مثل أوصاف العرس والفرحة التي يتم التعبير عنها في الميكروفونات بتكرار تلك اللازمة "نصوتوا باش البلاد تتسقم"، وبعدها لا يهم ألا يصوت سكان المدن الكبرى، فسيأتي عالم الاجتماع في المساء ليظهر على التلفاز ويخبرنا بأن الأمر عادي تماما لأن سكان المدن لا يحبون التصويت ويفضلون الركون إلى الراحة في يوم الانتخاب باعتباره عطلة مدفوعة الأجر.

لم يتغير شيء في عين السلطة، ما زالت تعتقد أن ما يسمى "الجزائر العميقة" خزان أصوات، وما زال سكان تلك المناطق في نظرها يعشقون الوقوف في طوابير أمام مراكز الاقتراع، وسيتدافعون أمام كاميرا التلفزيون بفرحة عارمة للإدلاء بتصريح حول اليوم المشهود، وحتى المظاهرات التي لم تستثن تلك المناطق لم تغير نظرة السلطة إلى تلك الجهات المجهولة التي لا يزورها التلفزيون إلا بمناسبة الانتخابات، وفي أحسن الأحوال، اعتبرت مشاركة "الجزائر العميقة" في الثورة السلمية شيئا من التقليد لسكان المدن الكبرى سرعان ما اختفى من تغطية وسائل الإعلام التي انحازت إلى السلطة وباتت تردد: "الحراك انتهى، ولم تبق إلا قلة قليلة في البريد المركزي وأودان".

ثلاثة من الخمسة اختاروا أدرار في اليوم الأول، لكن الأمر لم يكن كما تخيلوا، لقد ظهر الرفض واضحا في الشارع، وانتهى اليوم العصيب باعتقال مجموعة من المتظاهرين السلميين، وهي صور تكررت في جميع الولايات التي توصف بالداخلية، التي زارها المرشحون، وفي أفلو حوصر بن قرينة في فندقه حتى تم تهريبه تحت حماية الشرطة، وفي وادي سوف وقف بن فليس أمام قاعة فارغة ووجد من يقارعه بالحجة داخل تلك القاعة، وتكررت نفس المشاهد في بشار وتيارت والمسيلة، وحتى برج بوعريريج التي قيل إن فيها الحراك الآخر شهدت نفس الرفض للعملية الانتخابية.

لطالما اعتبرت السلطة الجزائري الذي يلبس قشابية ويضع الشاش على رأسه ناخبا بالضرورة لكنه لم يعد كذلك، لقد أصبح يتظاهر من أجل دولة المواطنة، والحقيقة أن هذا الجزائري أرسل إشارات مبكرة قبل سنوات عندما انطلقت احتجاجات الشباب البطالين في مختلف مدن الجنوب، ثم لحقتها تلك المظاهرات التي نظمها سكان أدرار وعين صالح ومناطق أخرى ضد أشغال التنقيب عن الغاز الصخري، وكانت تلك الاحتجاجات رسائل واضحة تخبر عن تشكل وعي جديد ينهي الصورة النمطية عن الجنوب..

لكن السلطة، وبتحريض من مثقفيها المتزلفين، لم تستوعب ما جرى وركنت إلى ثقافة الاحتقار والتسفيه، واختارت الغرق في الجدل التقني عن الغاز الصخري على أن تنتبه إلى الحقائق الجديدة وهي تولد على الأرض.

الآن، وقد جاء موسم الانتخابات تخبرنا الجزائر الشاسعة أن ما حدث يوم 22 فيفري طوى الجغرافيا، وجعل الجزائريين جميعا يتطلعون إلى هدف واحد هو تغيير النظام، وها هي السلطة تفقد ما كانت توهمته خزان أصوات وجمهور ناخبين، فالثورة السلمية أظهرت الجزائري الحقيقي بعيدا عن الصور النمطية التي اخترعتها السلطة واطمأنت إليها.

قراءة 210 مرات آخر تعديل في الأحد, 24 نوفمبر 2019 23:41