الجمعة, 29 نوفمبر 2019 06:36

وحيدون على طريق الحرية مميز

كتب بواسطة :

قبل أن يصوت البرلمان الأوروبي على قراره الصادر الخميس بخصوص الجزائر كان رئيس الأركان قد استبق الأمر بتصريحات أكد من خلالها أن الجزائر حرة مستقلة وسيدة في قرارها، ولا تقبل أي تدخلات أو إملاءات، وقد سارع كثير من السياسيين إلى التعبير عن رفضهم للتدخل الأجنبي، ولم يتخلف معارضو السلطة ومن يرفضون الانتخابات، وينددون بسياسات التضييق وحملات الاعتقالات، عن التعبير عن رفضهم لكل أشكال التدخل الأجنبي، ويطرح قرار البرلمان الأوروبي، وردود الفعل التي أثارها محليا، أسئلة جدية حول هذا الإجماع، وهل يوجد حقيقة تدخل أجنبي، أو مؤشرات واقعية على إمكانية حدوثه.

في الأسابيع الأخيرة طرحت مسألة غياب الاهتمام الدولي بما يجري في الجزائر منذ 22 فيفري، فقد استغرب السفير الأمريكي الأسبق لدى الجزائر ديفيد دي بيرس في تغريدة له على تويتر تجاهل الإعلام العالمي لما يجري في الجزائر منذ 38 أسبوعا وهي البلد الأكبر مساحة في إفريقيا، وثاني أكبر بلد في العالم العربي من حيث السكان، وبعد أيام من تغريدة دي بيرس نشرت جريدة فاينانشل تايمز مقالا في نفس الاتجاه يتناول عدم اهتمام وسائل الإعلام العالمية بما يجري في الجزائر، أما هنا فقد اعتبر البعض الأمر جزء من تواطؤ دولي مع السلطة، وعلامة على تشجيعها على المضي قدما في تنظيم الانتخابات رغم استمرار الرفض الشعبي لها.

يربط البعض الدعم الخارجي المفترض لخطة السلطة بتمرير قانون المحروقات وما يقدمه من امتيازات للشركات النفطية الأجنبية، ويبحث هذا الاستنتاج عن تفسير براغماتي للسلوك الأمريكي والأوروبي حيال ما يجري في الجزائر، غير أن حالة قطاع المحروقات في الجزائر (تراجع القدرة الانتاجية، وعدم استكشاف حقول جديدة، وزيادة الاستهلاك المحلي)، والتحولات التي شهدها على المستوى العالمي (تحول الولايات المتحدة إلى بلد مصدر بعد أن كانت أكبر مستورد، ودخول الغاز الصخري كمنافس قوي للنفط، والمنافسة الشرسة في توفير حاجيات أوروبا من الغاز) تضعف هذا الاستنتاج، وتدعو إلى البحث عن أسباب حقيقية لعدم تحمس الولايات المتحدة وأوروبا للخوض علنا في الشأن الجزائري.

قراءة الموقف الأمريكي مما يجري هنا لابد أن تكون ضمن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات الأخيرة والتي تطبعها نزعة ظاهرة نحو إعادة الانتشار في أكثر من مكان من العالم، ومنذ عهد أوباما صار الحديث علنا عن تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط ( التعريف الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية يدرج الجزائر ضمن الشرق الأوسط، والتي تسمى تفصيلا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، وقد أكد ترامب هذا التوجه من خلال سحب القوات الأمريكية من سوريا، وقبلها من العراق، ولا يعني عودة بعض القوات ضمن أحداث معينة التخلي عن هذا الاتجاه العام، وليس هذا فحسب، فقد حرص ترامب على إعطاء الأولوية لقضايا اقتصادية وتجارية عندما قرر الانسحاب من منطقة التبادل الحر في الباسيفيكي، وفرض إعادة صياغة اتفاقية التجارة الحرة في منطقة أمريكا الشمالية (نافتا)، كما أن هناك مساع لتقليص عدد القوات الأمريكية المتواجدة في إفريقيا إلى النصف خلال السنوات الثلاث القادمة ( يقدر عددها الآن تقريبا بأ1200 عسكريا)، في حين يتم الاعتماد أكثر على الطائرات من دون طيار في تنفيذ العمليات العسكرية في مناطق كثيرة من القارة.

من وجهة النظر الأمريكية ما زالت مكافحة الإرهاب تمثل أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية، وهي أولوية مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي، وبالنسبة لإفريقيا فإن مصادر التهديد تتواجد في شرق إفريقيا وغربها وليبيا، وفيما يخص الجزائر فإن الوجود العسكري الأمريكي في النيجر، وخاصة القاعدة الجوية الأمريكية المخصصة للدرون في أغاديس (وسط النيجر) يظهر الحضور المباشر في المناطق التي لها صلة مباشرة بأمن الجزائر، ليبيا ومالي تحديدا، وهو ما يعني طي الجدل التقليدي حول الحضور العسكري الأمريكي، والحاجة إلى بناء قواعد عسكرية تقليدية في إفريقيا والتي كانت الجزائر تبدي حساسية تجاهها حسب الخطاب الرسمي وما كان يتداوله الإعلام المحلي.

في مقابل هذا، لا تبدي إدارة ترامب أي حماس لتغيير الأنظمة السياسية في بلدان المنطقة، ويبدو واضحا أن مساعي نشر الديمقراطية وتعميم النموذج الأمريكي فترت منذ سنوات وتأكد هذا الفتور مع إدارة ترامب، ويعلل الرسميون الأمريكيون هذا التوجه بالقول بأن الديمقراطية قد تكون سببا في بروز أنظمة أكثر عداء للولايات المتحدة، وتقدم أمثلة الربيع العربي كدليل على ذلك، كما أن مخاطر عدم الاستقرار قد تضاعف التحديات الأمنية للولايات المتحدة، وهذا جعل الاستقرار أولوية، وفي الحالة الجزائرية تبدو سلمية المظاهرات، وعدم وضوح بدائل عن النظام القائم يمكن الاطمئنان إليها، من ضمن الأسباب التي جعلت الأمريكيين يعتمدون سياسة الانتظار والترقب، غير أن هذا قد لا يعني دعما مفتوحا للسلطة في الجزائر حيث تظهر الانتخابات في الظروف الحالية كمجازفة كبيرة قد تدفع الأمريكيين إلى تغيير موقفهم بعد النظر فيما آلت إليه هذه المغامرة.

لا يختلف الموقف الأوروبي كثيرا عن موقف أمريكا، فالاستقرار يمثل مصلحة حيوية تجعل الاتحاد الأوروبي (وفرنسا خاصة) لا يستعجل إظهار أي موقف قد يبدو متحمسا لتغيير النظام في الجزائر، فالانتخابات تمثل امتحانا لمدى قدرة السلطة على التحكم في الوضع، وسيكون رد فعل الشارع هو الأساس الذي عليه يمكن بناء موقف واضح وصريح مما يجري في الجزائر.

وفي هذا السياق، لن يكون لقرار البرلمان الأوروبي أي تأثير على المدى القريب، وسيبقى في إطاره السياسي تعبيرا عن القوى المسيطرة على هذا البرلمان، والتي تحاول إعطاء موقفها صبغة أخلاقية أكثر من السعي إلى التأثير على التوازنات القائمة فعليا.

في الجزائر، سيتم التعامل مع القرار بكثير من الإسراف الإعلامي والسياسي في إثبات مؤامرة ما تحاك ضد الجزائر، غير أن هذه العملية تعاني من نقطة ضعف قاتلة وهي أن المعارضين للسلطة (المحسوبون على الثورة السلمية تحديدا) لم يطالبوا أبدا بأي تضامن خارجي معهم، ولم يضعوا عامل الضغط الدولي ضمن الأدوات التي يستعملونها في نضالهم السلمي من أجل تغيير النظام.

وقد استطاعت الثورة السلمية أن تسقط هذه الورقة منذ البداية مثلما حرصت على إسقاط ورقة العنف، وأكثر من هذا فإن شبهة الاستقواء بالأجنبي طالت السلطة قبل غيرها خاصة من خلال جولات الإبراهيمي ولعمامرة في بدايات الثورة السلمية، أو من خلال حديث بن صالح إلى بوتين في سوتشي قبل خمسة أسابيع. اختار الجزائريون أن يأخذوا الأمر بأيديهم، وأن يناضلوا من أجل الحرية وبناء دولة القانون بعيدا عن مغامرات استدعاء التدخل الأجنبي، والأرجح أنهم سيسيرون وحيدين على طريق طويل وشاق، تماما مثلما فعلوا ذات نوفمبر 1954.

قراءة 231 مرات آخر تعديل في الجمعة, 29 نوفمبر 2019 06:54