السبت, 07 ديسمبر 2019 20:56

النظام الحالي أخطر على وحدة الجزائر من الحركات الانفصاليّة مميز

كتب بواسطة : بقلم الصحفي والمدون: عبد الله كمال / صحيفة "الأمة"

الجزائر اليوم هي أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة، لكن قبل 10 سنوات، فقط، كانت في المرتبة الثانية، مباشرة بعد "السودان الموحّد"، الذي انفصل إلى سودان شمالي وسودان جنوبي غنيّ بالنفط سنة 2011.

ومنذ انفصال جنوب السودان عن شماله، شهد البلدان عدّة حروب بينهما، بالإضافة إلى نزاعات مسلّحة داخل كلّ منهما.إذا كان النظام الجزائري ومسؤولوه يكرّرون الحديث عن "وحدة الجزائر" وخطر الانقسامات والتدخّلات الدولية، فإنّهم في الحقيقة يكرّسون الانقسام داخل المجتمع، ويعطون أكبر الهدايا والامتيازات للحركات الانفصاليّة.

لو كنت ناشطًا سياسيًّا في حركة "الماك" الانفصاليّة أو غيرها من الحركات، فإنني لن أجد ولو في أحلامي هديّة أكبر من ممارسات النظام الجزائري لتُساعدني على مشروعي الانفصالي وتضمن لي المبرّرات والحجج التي سأستخدمها لجلب المتعاطفين وإغرائهم بمشروع التقسيم وتحطيم الكيان الجزائري إلى جُزر متفرّقة -ولا شك مع الوقت- متحارِبة.

لن تجد الحركات الانفصاليّة، التي تحوّلت إلى مشاريع حقيقيّة في بجاية وتيزي وزو، وإلى أفكار وناشطين معزولين في منطقة الصحراء أو الأوراس؛ لن يجد هؤلاء وسائل للتعبئة والحشد وكسب المتعاطفين أكثر من ممارسات النظام السياسي الذي يعمل على تقسيم البلاد وتكريس مبدأ "حكومة واحدة، قوانين مختلفة" حسب المنطقة، في نظام مختلّ يُشبه ذلك الذي تعيشه هونج كونج مع حكومة الصين المركزيّة.

بدأ هذا الكيل بمكياليْن من خلال تعامل السلطات مع قضيّة "الراية الأمازيغية"، وبغضّ النظر عن رأينا في مشروعيّة حملها وإن كانت تمثّل نقيضًا للعلم الوطنيّ أم لا، فهذا نقاش جانبي في الحقيقة، فإن السلطات، باعتقالها من يحملون هذه الراية في العاصمة ومحاكمتهم وإدخالهم السجن، في الوقت الذي تُحمل فيه هذه الرايات بشكل يوميّ، وتعلّق بشكل علنيّ في الحراك الأسبوعي في مناطق مثل تيزي وزو وبجاية دون أي منع أو اعتقال أو اعتراض من الجهات الأمنية، فإنّها تُعلن بكل صراحة عدم قُدرتها إلى إنفاذ نفس القانون على القُطر الجزائريّ كلّه، وأنّ هنالك مناطق جغرافيّة واسعة خارجة سيطرتها عمليًّا، وهي أكبر هديّة تُقدّم للحركات الانفصاليّة.

عندما يختلف الحُكم القضائي لنفس التُهمة -رفع ما يسمَى "الراية الأمازيغية"- بالنسبة لمحكمة باب الواد ومحكمة سيدي محمّد، فتحكُم الأولى بالبراءة لحاملي الراية، بينما تحكم المحكمة الثانية بستّة شهور لنفس التهمة، فإنها تكرّس مجدّد لمنطق الكيل بمكياليْن وعدم وجود معايير موحّدة في قطاع القضاء، وهو ما له انعكاسات خطيرة على وحدة البلاد.

لكن لعلّ أكبر جريمة ارتكبها النظام السياسيّ في حقّ وحدة البلاد، وهي الجريمة التي تصبح أمامها تحرّكات الحركات الانفصاليّة مجرّد "لعب أطفال"؛ هو تركّز السلطة في يد عُصبة ضيّقة حاكمة متمركزة في الشمال، لها أذرع عسكرية وسياسية وإعلامية واقتصاديّة، تُصدر قرارات تمسّ ملايين المواطنين المتوزّعين على رُقعة ضخمة هي أقرب للقارة تفوق مساحتها المليونيْ كيلومتر.

العُصبة الحاكمة في العاصمة، ترى أنّ لها الحكمة الكافية، والسلطة التي تخوّلها أن تختار لك -من مكاتبها المُكيّفة- والي ولايتك، ورئيس جامعتك، ومدير المصنع الذي تعملُ فيه، بالإضافة إلى قُدرتها على اكتشاف المشاريع الملائمة التي تحتاجها بلديّتك أو حتّى حيَك.

من خلال منطق الحكم المركزي المتضخّم، وغياب التوزيع العادل للثروة وعدم احترام التوازن في توزيعها، ووجود مساحات جغرافيّة واسعة في جنوب البلاد تعيش تحت دكتاتورية عسكريّة صارمة على بُعد خطوات من آبار البترول التي تقتات عليها البلاد؛ بالإضافة إلى نظام قانوني يكرّس سياسة الكيل بمكيالين، ونظام سلطوي وأمني لا يستطيع حتّى فرض نفس التعليمات والأوامر على 48 ولاية مثلما يحدث مع قضيّة "الراية الأمازيغيّة"، وقيادة سياسية وعسكرية تلعب على وتر الاختلافات العرقيّة مثل استدعائها لقضيّة "الزواف" وغيرها؛ فإنّنا أمام نظام سياسي إذا استمرّ بنفس الممارسات، فسيؤدّي بلا أدنى مُبالغة إلى القضاء على الكيان الجزائري وتحويله إلى مجموعة كيانات منفصلة ومتحاربة إلى الأبد.

صحيح أنّ مشاريع الحركات الانفصالية الموجودة في الجزائر لا تملك مقومات نجاحها، ولا تعدو أن تكون حركات احتجاجيّة في جوهرها، خصوصًا مع الرفض الواسع الذي تواجهه، بالإضافة إلى ظروف موضوعيّة وتاريخيّة متعلّقة بنشأة الدولة الجزائرية في خضمّ صراع مع المستعمر الفرنسي نجح في صهر المكوّنات الجزائرية المختلفة أمام عدوّ موحّد، لكنّنا أمام عالم سريع التغيّر، وخرائط إستراتيجية ومشاريع دوليّة لا تعترف بسيادة البلدان ولا لحدودها المسطّرة؛ خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار قضيّة المياه الجوفية الهائلة التي تحوزها الصحراء الجزائرية، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي وثرواتها المعدنية الكبيرة، ولنا في انقسام السودان خير عبرة.

قراءة 195 مرات آخر تعديل في السبت, 07 ديسمبر 2019 21:04