الأحد, 08 ديسمبر 2019 10:16

من يوقف جنون السلطة الفعلية من غير الشارع: السلطة المُضادة للحراك الشعبي الضاغط مميز

كتب بواسطة :

وحدها السلطة تصدر الأحكام، تسفه وتقذف وتستعلي وتتفرعن، تحكم على الشعب الرافض بالخيانة، وحدها تستأثر بالقرار والحكم والأمر، وعلى الآخرين الانصياع، تذكرت هنا دراسة المفكر الفرنسي، ميشيل فوكو، عن الجنون، حيث خلص إلى حقيقة السلطة التي يستخدمها الأطباء النفسيون، باتهام الناس بالجنون والزج بهم في غياهب المصحات، باستخدام سلطتهم، وهم وحدهم الذين يحكمون بالجنون، ورأى في هذا تسلطا قمعيا على الذات الإنسانية..

وقارن هذا بأسلوب القمع والتسلط العنيف للحكام، وهم وحدهم من يحكم ويقرر مصير الناس..لكن من يوقف جنون السلطة القمعية واندفاعها الأهوج ونهشها ونهبها؟ الكل، تقريبا، منبطح، أو متردد، ومتخوف، هنا برز الحراك الشعبي الضاغط وحيدا بلا إسناد من أشكال المعارضة التقليدية، راهن على الشارع وعموم الرافضين والساخطين، وعقله الثائر الواعي، فكان، حقا وعدلا، هو السلطة المضادة لتوحش الحكم الفعلي وطغيانه وهيجانه.

السلطة المضادة يمارسها الحراك الشعبي في الشوارع، يستند في هذا إلى تصميم حركة الرفض الشعبي وتراكم الوعي والمظالم، يمنع بها توغل السلطة الفعلية وتوسع طغيانها وتضخمها، ولا يمارس "سلكته المُضادَة" من داخل الأحزاب والطبقة السياسية وما يُسمَى "المجتمع المدني"، وإنما من خارجها وبعيدا عنها، فهو السلطة الشعبية المضادة الوحيدة التي تقاوم، وبطرق أربكت السلطة، ذلك أن الأشكال التقليدية الموروثة من المعارضة وما كُتب عن أنواع السلطات المُضادة، تجاوزها الحراك، بوعيه وزخمه، بمراحل..

وتخففه من أغلال النمط القديم في التفكير السياسي، أكسبه احتراما ونفوذا وهيبة، وتأخرت هي في تلاحمها ومواكبتها، وصارت عبئا على حركة التغيير الحقيقي المُمكن، فتخلفهم وترددهم وتحفظهم وتفلسفهم وحساباتهم وانغلاقهم، لم تؤثر في عقل الحراك ولا في زخمه، ومع مرور الوقت طواها النسيان وصارت جزءا من الماضي.. 

واستمرَ الحراك الشعبي في تقدمه ومضيه وتصميمه، وحيدا، من غير أي إسناد مؤثر من الطبقة السياسي وما يُسمَى "المجتمع المدني"..ولم يستهويه سراب السلطة ولا غرق في أوهام المطبلين والمغفلين والمسوقين للدعاية الكاذبة الفارغة، ولا أخضعه منطقها الاندفاعي ولم ترعبه لغة الوعيد والتهديد ولا رسائل الاستفزاز والتنكر.تمرد على المألوف والموروث، وتجاوز أنماط التفكير السياسي التقليدية وحطَ رحاله في الشارع، لم يغادره، ولم يغدر به ولم يخذله، فما وجد أوفى من هذا الشارع الذي كشف الزائفين والتافهين والمدلسين والمقطوعين..

يُمارس الحراك سيادته على الشارع، يحنَ كل منهما إلى صاحبه، لم يجد أوفى من الساحات، لم تتنكر له الأرض والميادين..الشارع يحتضنه بحرارة، البيئة التي تُعرض عنها الأحزاب وفضحت كل مُدَع للشرعية والانبثاق من الشعب، هي قوة الحراك وزخمه، هي سنده وعونه، مند بدأ وإليه يعود..

قراءة 157 مرات آخر تعديل في الأحد, 08 ديسمبر 2019 10:30