الجمعة, 13 ديسمبر 2019 20:29

وكأن شيئا لم يكن مميز

كتب بواسطة :

خرج الجزائريون إلى الشارع في الجمعة الثالثة والأربعين من ثورتهم السلمية أكثر تصميما على تعرية نظام الفساد والاستبداد الذي يريد أن يجدد واجهته بالخديعة والتزوير، ضبط المتظاهرون شعاراتهم بما يتناسب مع البهتان الانتخابي، وأعلنوا بوضوح لا يترك أي مجال للبس أنهم لا يعترفون بمن سمته السلطة رئيسا، الرسالة واضحة نحن كنا في الشارع ولم نكن في مراكز الاقتراع، ومن تمنحونه اليوم صفة رئيس هو شخص معين بدأنا من الآن السير لإسقاطه.

طوت السلطة صفحة الانتخابات، لكنها لم تتنفس الصعداء، عبر الشوارع تدفقت الحشود لتذكير من يعينه الأمر أن المشكلة ما زالت هنا، إنها مشكلة قديمة قدم النظام المهترئ، كانت تؤجل بمبررات مختلفة.  أما اليوم، فقد سقطت كل الأوهام وصارت منظومة التعيين عارية تماما، ولذلك فإن الشارع سيتوجه اليوم غدا إلى من يملك سلطة التعيين ليخبره بأن الوقت قد حان ليستعيد الشعب سلطته ويمارس سيادته ويجسد إرادته في اختيار الحكام ومراقبتهم وعزلهم عندما تستدعي مصلحة البلاد ذلك.

على وقع المظاهرات السلمية، والتقارير الفاضحة للإعلام الدولي الذي جلبه النظام المتذرع برفض التدخل الأجنبي، اكتشفت السلطة أن لا فرق بين الخميس والجمعة، ومن تمت تسميته رئيسا فاقد للشرعية الشعبية بحكم الشارع الصريح، وفاقد لمشروعية السلطة بعد أن تم فرضه في خرق واضح للدستور الذي أطاح بشرعية بن صالح يوم 09 جويلية، وبعدم احترام التزام السلطة بجعل تحديد تاريخ الانتخابات من صلاحيات ندوة تنظم تدعو إلى تنظيمها هيئة الحوار والوساطة.ذ

لقد بدا المسار طويلا، فاختارت السلطة أن تختزله لتفرض تنظيم انتخابات بأعوان بوتفليقة، وانتهت بتزكية هذا الأخير الذي جاء ليصوت عنه شقيقه بالوكالة، وليتم بعدها إعلان تعيين الصديق الوفي للمخلوع، والملتزم بعدم التجرؤ على منافسته ما دام حيا، في منصب الرئيس لتتحول العملية برمتها إلى أكبر مهزلة في تاريخ الانتخابات.

لم يكن الأمر يهم الجزائريين إلا من حيث الحفاظ على سلمية ثورتهم، ولذلك نزلوا إلى الشوارع بكثافة لإعلان مواصلة مسيرة الحرية، مسيرة باتوا يعرفون اليوم انها طويلة وأهدافها أكبر من أن تغطي عليها محاولة نظام منتهي الصلاحية وقف حركة التاريخية بتنظيم مهزلة، وقبل أن ينزلوا كانوا قد حكموا على المرشحين الخمسة بأنهم خارج التاريخ، لكن الخيال السقيم للسلطة، وقلة ذكائها كان مفاجئا خاصة عندما تم اختيار شخص كان اسمه متداولا منذ 2017 لخلافة بوتفليقة بنفس المنطق القديم الذي اعتمده النظام منذ الاستقلال، والذي يقول "الحكم شأننا ولا شأن للشعب به".

جاء تبون كإشارة واضحة إلى أن التوافق الذي كان مستحيلا قبل نهاية العهدة الرابعة، وما بعدها، والصراع الذي تفجر داخل السلطة بفعل الثورة السلمية جعل المتغلبين يفرضون خيارهم على المغلوبين ليظهر مرشح الأمر الواقع الذي قد يكون آخر رؤساء الأمر الواقع بحكم أن القرار الشعبي بإسقاطه أعلن حتى قبل أن يتولى مهمته بصفة رسمية.

استنفذ النظام كل أوراقه، واستهلك جميع وجوهه ولم يكن له من خيار إلا العودة إلى الأرشيف ليضع في الواجهة من كان إلى عهد قريب يقسم بأن "برنامج فخامة الرئيس لن يتوقف"، ولفرض هذه الواجهة لم تكن هناك من أدوات غير تلك التي ثبتت حكم بوتفليقة طيلة عشرين عاما انتهت بخراب شامل، وأمام هذا العجز لا يجد النظام إلى الدعاية والكذب والتضليل لفرض شرعية وهمية مستحيلة التحقيق، والمراهنة على رجل لا يملك الحد الأدنى من ثقافة الدولة ولا أدنى معرفة بما يجري في محيط الدولة القريب، وفي العالم الواسع والخطير الذي نعيش فيه، فكل هذا ربما لا يساوي شيئا في نظر سلطة تريد أن تمسك بالبلد إلى آخر قطرة نفط دون أدنى اهتمام بما سيحدث لاحقا.

استفاق دعاة الانتخاب من مقتنصي الفرص واللاهثين وراء الحصص والامتيازات وهم في حالة عري تام، لا النظام يعترف لهم بالفضل، ولا الشعب يحفظ لهم الود والاحترام، لقد راهنوا وخسروا كل شيء وبقي لهم أن يحزموا أمتعهم للمغادرة مع النظام في رحلة بات موعدها قريبا..

ومع هؤلاء يقف مثقفون مزيفون، وإيديولوجيون مصطفون يعدون خسائرهم بعد أن سقطت أوهام النظام الجديد، والانتقام من سادة التسعينيات، فهنيئا لهم الرئيس الذي كان في جبهة الاستئصال المتقدمة سنة 1992، وليحتفظوا بصور أصابعهم المطلية بالحبر وبطاقات انتخاباتهم المختومة بالأحمر كلون الشمع الذي ختم على بصائرهم.وحدهم السائرون على درب الحرية يعرفون أهدافهم ويبصرون الطريق إليها، ووحدهم سيأخذون بأيدي الجميع نحو بناء الجزائر التي تليق بشعبها الأبي.

قراءة 280 مرات آخر تعديل في الجمعة, 13 ديسمبر 2019 20:49