الأربعاء, 18 ديسمبر 2019 07:51

"الغولة" التي اسمها فرنسا مميز

كتب بواسطة :

"فيما يخص الرئيس الفرنسي ما نجاوبوش"، ثم عاصفة تصفيق وهتافات انخرط فيها صحافيون وأعضاء حملة تبون، كانت لحظة حماس لأن الكلام كان ردا على سؤال بخصوص تصريح ماكرون بأنه أخذ علما بفوز تبون في انتخابات 12 ديسمبر، ولأن الحماس في القاعة المزدحمة كان ملتهبا، فقد استرسل تبون متحدثا عن الرئيس الفرنسي: "هو حر يسوق البضاعة لي يحب في بلادو وأنا انتخبني الشعب الجزايري ولا أعترف إلا بالشعب الجزايري"، وتصفيق وهتاف مرة أخرى، كان واضحا السعي إلى تسويق صورة "عدو فرنسا" لقضاء حاجة ما قبل أن تتبخر بفعل حقائق الواقع.

عندما كان تبون وزيرا للسكن خصص جزء كبيرا من وقته لمتابعة إنجاز جامع الجزائر الذي سيبقى الرمز الأكثر حضورا للبوتفليقية، قال إن فرنسا تقف وراء الحملة ضد المشروع، لأن شركة فرنسية فشلت في الظفر به، ولا يذكر كثير من الذين يفاخرون بقوله "سنصلي في الجامع الأعظم ولو كره الفرنسيون"، أنه جاء ضمن حملة منظمة للرد على الوزير الأول الفرنسي، إمانويل فالس، الذي زار الجزائر في أفريل 2016، والتقى بوتفليقة الذي كان في وضع صحي بالغ السوء وقد نشر صورته التي أظهرته في حالة يرثى لها.

وقد كان نشر تلك الصورة سببا في إطلاق مسؤولين جزائريين تصريحات حادة ضد الوزير الأول الفرنسي دون أن يعلم أحد إلى أي مدى تأثرت العلاقات بين البلدين بتلك الحادثة، ودون أن يذكر أحد بأن متابعة إنجاز مشروع جامع الجزائر نزعت من المكتب الألماني الذي أشرف على دراسة المشروع لتمنح لمكتب فرنسي بحجة أن الألمان كانوا يبالغون في التشدد في مراقبة الشركة الصينية المكلفة بالإنجاز، وأن ذلك كان يؤخر استلام المشروع حتى يدشنه بوتفليقة، نعم في الجزائر يمكن أن تكون ضد فرنسا وأنت تعقد معها الصفقات، ويمكن أن تسميها العدو وأنت تسلمها أسرار صحة رئيس بلدك الذي يعالج في مستشفياتها العسكرية والمدنية، بل ويمكن أن تلعنها وتشن عليها الحملات الإعلامية وتفتح أجواء بلادك أمام طائراتها الحربية كي تنفذ مهماتها في البلدان المجاورة لك.

كل ما ذكر سابقا فعله بوتفليقة الذي صارت وسائل الإعلام تمتلك الشجاعة لوصفه بعميل فرنسا الذي سلم لها البلد خلال فترة حكمه، ولا نعرف كيف يمكن لدولة أن تغير تحالفاتها، وتنهي مصالح دولة كبرى في خلال أشهر معدودات، ولا أحد يمنحنا الأرقام بخصوص الخسائر الاقتصادية لفرنسا منذ ذهاب من يسمونها العصابة، فعندما يتعلق الأمر بفرنسا يمكن للإنشاء تعويض كل شيء حتى إنني قرأت تصريحا لشخص يقدم على أنه خبير في الاقتصاد يتحدث عن نهاية الهيمنة الفرنسية وعن العودة الألمانية والإسبانية والإيطالية دون أن يقدم رقما يذكر أو يشير إلى قطاع أو مشروع..

يكفي أن تقول إن فرنسا تتلقى الصفعات، وأن العزاء في باريس، وأن ماكرون يتخبط.قد يكون مفيدا التذكير بحالات كثيرة من الفتور الشديد في العلاقات بين الجزائر وفرنسا في مراحل سابقة، ولعل فترة حكم بوتفليقة كانت حافلة أكثر من غيرها بأحداث من هذا النوع، ومنها تصريحه الشهير أثناء أول زيارة دولة قام بها إلى فرنسا في جويلية 2000، عندما قال ردا على سؤال صحافي فرنسي حول إمكانية السماح للحركى بالعودة إلى الجزائر: "إن هذا بالنسبة للجزائريين مثل الطلب من مقاوم فرنسي مصافحة أحد عملاء النازية"، وقد أثار هذا التصريح استياء كبيرا في فرنسا أصدر في إثره الإيليزي موقفا رسميا يعبر عن رفض المقارنة التي تنطوي على إهانة للجيش الفرنسي من خلال تشبيهه بالجيش النازي.

وفي تلك الأثناء، هبَ الإعلام الجزائري لتمجيد موقف بوتفليقة الذي قرر بعد أشهر من ذلك المشاركة، ولأول مرة في التاريخ، في قمة الفرانكفونية.بعدها بسنوات اختار بوتفليقة أن يستعمل التاريخ في حملته لتسويق ميثاق المصالحة، وفي خضم تلك الحملة هاجم بشدة قانون تمجيد الاستعمار الذي صدر في 23 فيفري 2005

والحقيقة ان كل كلامه كان موجها للاستهلاك المحلي، حيث لم تفعل الجزائر الرسمية شيئا مقارنة بما فعله إيمي سيزار للدفع نحو تعديل فقرة من المادة الرابعة من القانون، ولقد أبقت السلطة في الجزائر دائما ملف الذاكرة حكرا عليها تستعمله لتحقيق مكاسب داخلية دون أن تسعى لتحصيل أي حق معنوي من فرنسا أو تعزيز موقعنا مقابلها.أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر في ديسمبر 2007 انتقد وزير المجاهدين محمد الشريف عباس فرنسا في حوار نشر في جريدة الخبر، وأشار إلى الأصول اليهودية لساركوزي، وقد كلفه الأمر الطرد من الوفد الرسمي الجزائري مع إصدار بيان عنيف من الرئاسة يذكر بأن الرئيس وحده من يعبر عن الموقف الرسمي للدولة في قضايا السياسة الخارجية، ولعل عباس، الذي يعيش في فرنسا منذ أن غادر منصبه، فهم أن الحديث عن فرنسا من موقع رسمي يختلف تماما عن مهاجمتها من منبر منظمة المجاهدين، وأن كثيرا من الحماس يضر ولا ينفع.

ما زالت السلطة في الجزائر تعتقد أن انتقاد فرنسا، تصريحا أو تلميحا، يكفي لإثبات الوطنية والشجاعة، لكن في عصر الانترنيت وتدفق المعلومات قد تخبرنا الأرقام بأشياء أقل إثارة للفخر، وقد نكتشف أن كثيرا مما نحسبه إنجازات هو مجرد هراء لمنح نظام خرب البلاد صك الوطنية.

قراءة 398 مرات