الثلاثاء, 31 ديسمبر 2019 19:38

النظام العاري يصدم الإيديولوجيين مميز

كتب بواسطة :

مع أول قرارات التعيين في المناصب السامية التي اتخذتها عبد المجيد تبون تبخرت الأوهام الإيديولوجية التي استند إليها الخطاب الموالي للسلطة منذ أن أعلنت أن الانتخابات هي خطتها الوحيدة، فقد تم اختيار وزير أول محسوب على أولئك الذين قادوا البلاد في فترة التسعينيات، وجاء تعيينه ليعصف بكل الأطروحات التي تم الترويج لها منذ سنة 2014 على الأقل عندما قيل إن بقايا انقلابيي 1992 هم من يرفضون التمديد لبوتفليقة، وأن حربا شرسة تجري لتطهير الدولة ومؤسسة الجيش من أتباعهم.

وطيلة فترة العهدة الرابعة بقيت الفكرة السائدة التي يتم الترويج لها هي أن التخلص من الهيمنة الفرنسية التي يمثلها هؤلاء هي المعركة الحقيقية التي تجري بين أجنحة في السلطة، أو بين قيادة الجيش وما بات يعرف بالدولة العميقة التي لم تجد من ينظر لها غير الأمين العام الأسبق للأفلان عمار سعداني.

هذه الأطروحة كانت أهم سلاح وجه للثورة السلمية بعد إسقاطاها لبوتفليقة، وقد تم إعادة صياغة الأمر على أساس إيديولوجي حيث أصبح المتظاهرون يوصفون بأنهم لعبة في أيدي شبكات ما يسمى بالدولة العميقة والأجهزة الحزبية ودوائر المال ووسائل الإعلام المرتبطة بها، والتي تتبع كلها فرنسا، وتدافع عن مشروع إيديولوجي يهدف إلى إبقاء الجزائر رهينة في يد القوة الاستعمارية السابقة، وحتى إن لم يصل الخطاب الرسمي إلى حد تبني هذه الأطروحة بشكل مباشر فإنه اختار صيغا توحي بذلك صراحة، في حين تولت وسائل الإعلام التابعة له من خلال المتدخلين فيها مهمة توضيح الربط بين هذه الأطروحة والخطاب الرسمي الذي يجري تفسيره دوما في هذا الاتجاه.

ومع حصر الرفض لخيارات السلطة في جهة إيديولوجية معينة التي تحسب، تضليلا وبهتانا، على منطقة واحدة من البلاد، اكتملت الرسالة التي ظلت وسائل الإعلام الموالية للسلطة تقصف بها الجزائريين على مدار الساعة طيلة سبعة أشهر على أقل تقدير.ليست السلطة وحدها من روجت لهذه الأطروحة، بل تبعتها أيضا أحزاب تحسب نفسها من المعارضة سارعت إلى الدعوة إلى إجراء الانتخابات كخيار وحيد مع المطالبة بشروط نزاهتها.

وقد انخرطت تلك الأحزاب في حديث غريب عن الأقلية والأغلبية، وأسرفت في استدعاء الاصطفافات الإيديولوجية متجاهلة حقيقة الشارع التي أكدت تجاوز الثورة السلمية لهذه الاصطفافات، ولم تكترث للإجماع الحاصل على هدف تغيير النظام الذي خرج من أجله الجزائريون يوم 22 فيفري.لقد أظهر اختيار تبون ليكون رئيسا، والتعيينات التي قام بها، وقبل هذا الشخص، أن النظام لا إيديولوجية له، وأن عدوه الوحيد هو من يطالب بالتغيير الحقيقي ويسعى إليه بطريقة منظمة وفعالة..

ولهذا، فإن في التضييق بالسجن، أو الرقابة القضائية، أو حتى الإقامة الجبرية، لم يفرق بين إسلامي ويساري وشاب لم يسبق له أن مارس السياسة، كما لم يفرق بين شاعر ورسام، ومثلما نجد بين مساندي السلطة من كان مع انقلاب 1992، فإننا نجد معها من كان ضده، تماما مثلما نجد التنوع والاختلاف في صفوف من عارضوا خارطة طريق السلطة وهم يواصلون اليوم التظاهر، أما النظام فباق كما هو لم يتغير مستعد لقبول الدعم من أي جهة كانت، ولا يشعر بأدنى حرج في استعمال الجميع من أجل الاستمرار بنفس الأساليب التي يستعملها في الهيمنة على المجتمع.

يدخل النظام 2020 وهو عار تماما من أي شرعية، فقد تكفلت الأقدار بالشرعية الثورية وجعلتها من الماضي، في حين دفعه رعبه من الثورة السلمية إلى الخيار الأسوأ، وهو المرور بالقوة من خلال فرض انتخابات عمقت أزمة الشرعية التي تريد السلطة أن تتداركها اليوم بحوار لا تجد من يشاركها فيه، ويبدأ أنصار خيار الانتخابات من الإيديولوجيين السنة بشعور بالخيبة والمرارة وهم يكتشفون أنهم كانوا يطاردون سرابا..

وهذا كله من الإنجازات الكبيرة للثورة السلمية التي أقنعت كثيرا من الجزائريين بأن هذا النظام لا يملك مشروعا أو فكرة، ولا يدافع عن مبادئ وقيم، وأن الخطر الذي يمثله على الجزائر يجب أن يدفعهم من أجل توحيد صفوفهم والسير قدما لانتزاع الحرية وإطلاق عملية بناء دولة الحق والقانون.

قراءة 344 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 31 ديسمبر 2019 19:47