الثلاثاء, 31 ديسمبر 2019 22:18

ليبيا بوابة تركيا لشرق البحر المتوسط: حروب الغاز الجديدة في المنطقة مميز

كتب بواسطة :

في العقد الحالي الذي ينتهي غدا، كان يبدو أن نفط "الشرق الأوسط" ما عاد مهما جدا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي. فقد أصبحت الولايات المتحدة مستقلة من ناحية الطاقة (في أعقاب ازدياد استغلال حقول النفط الكبيرة في آلاسكا، واكتشاف أساليب جديدة لاستخراج النفط)، وروسيا انضمت إلى قائمة الدول العظمى المنتجة للنفط، وازداد استخدامها للطاقة المتجددة. كل ذلك أدى إلى انخفاض حاد في أسعار النفط والغاز في السوق العالمية وأيضاً، إلى تراجع أهمية النفط المستخرَج في الخليج بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.

هذا هو سبب عدم تضرُّر الدول الآسيوية الكبيرة المستهلكة للنفط التي اشترت النفط من إيران بصورة كبيرة، عندما فرض ترامب عقوبات شديدة على تصدير النفط الإيراني، بعد انسحابه من الاتفاق النووي في ماي 2018. تصدير النفط الإيراني الذي بلغ 2,4 مليون برميل يومياً قبل ماي 2018، انخفض الآن إلى 500 ألف برميل في اليوم.

وعلى الرغم من أن إيران تنتج نحو 5% من إنتاج النفط العالمي، فإن الانخفاض في أسعار النفط في السوق العالمية مستمر، ويتراوح بين 40 و60 دولاراً في المتوسط للبرميل.بالإضافة إلى ذلك، أيضاً عندما بدأت إيران بمهاجمة الناقلات التي تشحن النفط من دول الخليج، وعندما أوقفت نصف قدرة إنتاج النفط في السعودية بهجوم بصواريخ بحرية وطائرات من دون طيار، لم تتأثر سوق النفط العالمية فعلياً، ولا يزال النفط المعروض في هذه السوق أكبر من الطلب. لذلك، لم تتأثر إدارة ترامب كثيراً بالاستفزازات الإيرانية والتهديدات للإمدادات بالنفط من الخليج.

ويدرك، أيضا، الاتحاد الأوروبي أن عليه ألّا يشعر بالهلع من التهديدات الإيرانية، لأنه سيكون لديه ما يكفي من النفط والغاز من روسيا وليبيا للتدفئة في الشتاء البارد. الوحيدون الذين تضرروا جرّاء العقوبات الأميركية على تصدير النفط الإيراني، هم الإيرانيون الذين تزداد ضائقتهم الاقتصادية، وهم مضطرون إلى دفع مزيد من المال لشراء الوقود الذي اعتادوا شراءه بالمجان تقريبا.

وعلى هذا، فما نشهده في هذه الأيام: حرب نفط وغاز تدور، تقريبا، بين كل اللاعبين الإقليميين في ثلاث ساحات. الساحة الجديدة والأكثر سخونة، هي الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ذلك أن اكتشاف حقول ضخمة للغاز مقابل سواحل فلسطين المحتلة، ولبنان، وقبرص، ومصر، أدى إلى نشوء معسكرين متخاصمين: من جهة، المعسكر الذي يضم إسرائيل وقبرص اليونانية ومصر واليونان، والتي عقدت اتفاقات فيما بينها على تقاسم "المياه الاقتصادية"، التي تحتوي على حقول الغاز الطبيعي.

"إسرائيل" وقبرص ومصر لم توقع فيما بينها اتفاقاً على تقاسم المياه الاقتصادية، وفقط، بل أيضاً بدأت بتنفيذ مبادرة مشتركة لمدّ أنبوب غاز يربط حقولها الغازية بأوروبا، بواسطة أنبوب تحت الماء يصل إلى اليونان، ومن هناك إلى مختلف أنحاء أوروبا.

في المعسكر المواجه هناك تركيا، وقبرص التركية التي تعمل برعاية تركيا وليبيا، أو تحديدا برعاية نصف الدولة الليبية التي تسيطر عليها طرابلس.تدّعي تركيا أنه ليس لديها حقوق في المياه الاقتصادية القبرصية فحسب، بل لديها أيضاً سيطرة على المياه الاقتصادية بين شواطئ تركيا وليبيا. وهي تصر على أنها لن توافق على مرور الأنبوب تحت الماء في هذه المنطقة، الذي يمده الائتلاف الإسرائيلي - القبرصي - اليوناني - المصري، وسينقل الغاز من الحقول الموجودة تحت الماء في هذه الدول إلى شواطىء اليونان، ومن هناك إلى أوروبا. بكلام آخر، تهدد تركيا وحكومة طرابلس بمنع وصول الغاز من حقول ليفثان وكاريش، وأيضاً الغاز القبرصي والمصري، إلى أوروبا.

ولمّحت تركيا، بطريقة غير رسمية، إلى أنه إذا مد الائتلاف الإسرائيلي القبرصي المصري أنبوب الغاز إلى أوروبا، عبر الأراضي التركية، فإنها ستدرس الموضوع بجدية. والهدف التركي واضح، أن أنقرة تريد أن تربح هي من الأنبوب وليس اليونان، التي هي أيضاً عضو في حلف شمال الأطلسي. تركيا معنية بأن تكون هي المسيطرة على حنفية الغاز إلى أوروبا، ومن المحتمل أن تغلقها إذا شاءت ذلك.

لكن هذا ليس كل شيء. تركيا ترى أن الغاز الموجود في مياه البحر ويحيط بقبرص هو ملك لها بصورة لا تقل عن ملكية قبرص اليونانية له. تركيا تسمي قبرص اليونانية "قبرص الجنوبية"، كما تسمي الدولة التي أقامتها في قبرص بعد السيطرة عليها "قبرص الشمالية".

أوضح أردوغان أن لقبرص الشمالية وتركيا حقوقاً في حقول النفط القبرصي لا تقل عن حقوق قبرص الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، يقول أردوغان إن تركيا تملك حقول الغاز الموجودة في مجال الجرف القاري المتاخم للسواحل التركية. ومن أجل إضفاء طابع رسمي على مطالبها، أعلنت تركيا أيضاً أنها تنوي إرسال جيشها لمساعدة الحكومة الليبية الموجودة في طرابلس. الحكومة الثانية الموجودة في بنغازي برئاسة الجنرال خليفة حفتر مدعومة من روسيا ومن دول أُخرى أرسلت إليها مساعدة عسكرية.

روسيا، أيضاً، أرسلت مرتزقة من عندها للقتال إلى جانب الجنرال حفتر والقبائل المؤيدة له، الذين يحاصرون طرابلس الآن من الجنوب. في هذه الحرب الدائرة في ليبيا، يتدخل العديد من المهتمين الذين يريدون السيطرة على النفط الليبي، وهم يرسلون إلى المعركة أفضل العتاد العسكري الحديث، بما فيه طائرات من دون طيار متطورة، وحوامات، وصواريخ بحرية ووحدات كوماندوس.

وفي هذا، أشارت توقعات محللين إلى أن البرلمان التركي سيصوت لمصلحة التدخل العسكري التركي في ليبيا، وربما تتطلع تركيا من وراء هذا التورط العسكري للتحوَل إلى لاعب إقليمي/دولي لا يمكن تجاهله، إلى جانب ترسيخ للمصالح التركية في شرق البحر المتوسط، ودعم حلفاء أنقرة، واستخدام ليبيا ورقة تفاوضية مع القوى الأخرىلكن يرون في هذا التدخل العسكري مقامرة جغرافية سياسية من العيار الثقيل، تحمل في ثناياها مخاطر لا يستهان بها، ومنها: ضعف الموارد اللازمة لدعم طموحات أنقرة السياسية والعسكرية، والاستنزاف على أكثر من جبهة، والمزيد من العزلة الدولية، واحتمال توتر العلاقات مع موسكو.

وفي شرق البحر المتوسط، نشأت نقاط ساخنة يمكن أن تشتعل في زمن غير بعيد: الأولى، المياه الاقتصادية حول قبرص، والتي تدّعي تركيا أنها تملك جزءاً منها على الأقل، الثانية، القطاع الموجود بين تركيا وشواطئ ليبيا، الذي يمكن أن يمر فيه أنبوب الغاز تحت المياه، من "إسرائيل" وقبرص اليونانية ومصر إلى أوروبا؛ والثالثة، هي النزاع بين الاحتلال الصهيوني ولبنان على حدود المياه الاقتصادية.

وقد رفضت اليونان وقبرص ومصر الاتفاق الذي بادرت إليه أنقره مع ليبيا واعتبروه غير قانوني، وفي ظل عدم وجود عملية سياسية بين الأطراف، يمكن أن يزداد التوتر في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والمخاوف أن يتطور إلى صدام عسكري.

ووفقا لمراقبين، تنبع السياسة الاندفاعية لأردوغان، في بعض جوانبها، من الشعور بأن تركيا لا تحصل على الاعتراف الذي يليق بها كقوة إقليمية عظمى، وأن مصالحها مهددة. على سبيل المثال، يجري تصوير العمليات التركية في البحر المتوسط ردَا على ما تعتبره حلفاً ضدها بين إسرائيل، ومصر، واليونان، وقبرص، ومحاولة للدفاع عن مصالح وتقاسُم أكثر عدلاً لموارد الغاز في المنطقة.

**

بداية من القرن الحادي والعشرين، لدى اكتشاف الغاز في شرق المتوسط، وازدياد أهميته مع تنامي استهلاكه عالميا، ولما له من أهمية إستراتيجية لا تقل عن النفط، صار الغاز عاملا جديدا في الصراع مع الكيان الصهيوني، عبر فتح ملف الحدود البحرية المختلف عليها كما حصل في لبنان ومحاولة الكيان الصهيوني وضع اليد على الموارد العربية أو تعطيل إنتاجها، على غرار ما حدث في حقل "غزة مارين"، منذ اكتشافه عام 2000، وطموح "إسرائيل" في التغلغل إلى قطاع الطاقة العربي من خلال تصدير الغاز إلى الدول المجاورة.

ولعل بعض أسباب الأطماع الإسرائيلية تعود إلى محدودية الاحتياطي الغازي المكتشف حتى الآن، ومحاولة الكيان العبري عقد شراكات مع الأسواق الأوروبية، أو مع قبرص لتزويد محطتي التسييل المصرية بالغاز من ثمة تصديره. وتتحدث مصادر مطلعة عن نية "إسرائيل" التصدير عبر خط أنابيب بحري يصل إلى أوروبا عبر قبرص واليونان وايطاليا، لكن، على الرغم من دعم "مفوضية السوق الأوروبية" لدراسة المشروع، فإنه لا يزال حتى الآن يفتقر إلى المشتري وبالتالي سيتأخر تنفيذه.

وترصد مراكز التفكير الإسرائيلية مخاطر الاتفاق التركي الليبي، ولا سيَما خطر إغلاق البحر المتوسط أمام نقل الغاز المنهوب، واستنجد نتنياهو بالكونغرس للتدخل بفرض عقوبات على تركيا لزجرها عن استغلال الاتفاق.

قراءة 281 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 01 جانفي 2020 10:38