طباعة هذه الصفحة
الإثنين, 06 جانفي 2020 19:57

دستور جديد لنظام قديم.. "التعديل" لإجهاض "التغيير" مميز

كتب بواسطة :

"يستلزم بناء الجزائر التي يطمح إليها المواطنون والمواطنات إعادة النظر في منظومة الحكم من خلال إجراء تعديل عميق على الدستور، الذي يعتبر حجر الزاوية لبناء الجمهورية الجديدة، وعلى بعض النصوص القانونية الهامة مثل القانون العضوي المتعلق بالانتخابات"، هذا كلام عبد المجيد تبون، وهو يلخص رؤيته لما يسميه بناء الجمهورية الجديدة، وهو بالضبط ما فعله من سبقوه إلى هذا المنصب وآخرهم عبد العزيز بوتفليقة الذي تبدو هذه الرؤية جزء من خطته التي أراد من خلالها مراوغة الشارع وتجنب السقوط بعد اندلاع الثورة السلمية في 22 فيفري من السنة الماضية.

لا يمكن للنظام أن يرى أبعد من تعديل النصوص، رغم أن التجارب القريبة والبعيدة أثبتت أن هذا الإجراء بلا فائدة، لقد كان لكل رئيس دستوره، وكاد بوتفليقة أن يجعل لكل عهدة دستورها حيث أسقطت التعديلات العبثية هيبة القانون الأسمى وجعلته مجرد أداة لتسيير مراحل ظرفية لم تكن في حقيقتها إلا تجليا لأزمة عميقة لنظام سياسي مقطوع الصلة بالمجتمع وحقائق الواقع، وحتى لا نغرق في التفاصيل التي مل الجزائريون تكرارها سيكون كافيا الإشارة إلى دستور 2016 الذي فصل على مقاس بوتفليقة وأضيفت له مواد من أجل ضمان بقائه رئيسا مدى الحياة، لكن ليس هذا هو لب المشكلة.

القواعد التي تحكم ممارسة السلطة في الجزائر هي بالأساس قواعد غير مكتوبة، وهذه الحقيقة هي التي تفرغ الدستور من محتواه وتفسر لنا ذلك الإجماع على أن المشكلة ليست في النصوص بل في تطبيقها، فلا وجود لآلية حقيقية للرقابة والمساءلة وحتى الهيئات والمؤسسات التي ينص عليها الدستور جرى إخضاعها لميزان القوة الذي لا يستند إلى أي شرعية، وهكذا يمكن للسلطة التنفيذية أن تهيمن على القضاء، وأن تحيد المجلس الدستوري، وأن تجعل البرلمان بلا وظيفة، وهذه السلطة التنفيذية التي تبدو في الواجهة وكأنها تتحكم في كل شيء تخضع إلى توازنات تكرست خلال عقود من ممارسة السلطة في الجزائر المستقلة حيث تمثل المؤسسة العسكرية مركز الثقل في النظام السياسي وتتدخل بشكل مباشر في اتخاذ القرار السياسي.

ما يعتبره اليوم تبون خطة لبناء الجزائر الجديدة هو في حقيقته الجانب الإجرائي الذي كانت وعود العهدة الخامسة قد تضمنته وبتفاصيل أكثر، والمفارقة هنا هي أن الحديث عن تعديل عميق لبعض القوانين التي يصفها بالهامة ويذكر منها القانون العضوي المتعلق بالانتخابات يعود بعد أشهر قليلة من تعديل هذا القانون ضمن إجراءات فرض الانتخابات التي تصفها السلطة اليوم بأنها شفافة ونزيهة ولا يمكن الطعن في نتائجها، وهذا ينبهنا إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الهدف الأساسي من إجراء الانتخابات كان فرض أمر واقع جديد يسمح للسلطة الفعلية بتنصيب واجهة مدنية للحكم ويمنحها الوقت الكافي لتحضير خطة الطريق المفصلة لترميم النظام السياسي الذي أعلنت الثورة السلمية نهاية صلاحيته، وهو ما سيفضي في النهاية إلى تكرار لعمليات تعديل سابقة عرفها الدستور وتحول بموجبها إلى مجرد نص مؤقت يعكس خيارات السلطة لمرحلة معينة، ويضع المسوغات القانونية للتوجهات السياسية لتلك المرحلة، وهذه ليست وظيفة الدساتير التي دورها تحديد طبيعة وشكل الدولة والمبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم.

يتقاطع التصور الذي يقدمه تبون مع ما فعله بوتفليقة في السابق حيث يجري في كل مرة الحديث عن "تعديل عميق" دون أن نعرف المدى الذي يصل إليه هذا العمق والمؤكد أنه في حالة بوتفليقة لم يصل إلى حد عرض التعديلات على الاستفتاء الشعبي.

لكن الحديث عن تغيير منظومة الحكم لا يتوافق منطقيا مع "التعديل" مهما كان عميقا، بل يتطلب "تغيير" الدستور استجابة لما سماه مولود حمروش بالمسار التأسيسي الذي يخرج فيه الجزائريون إلى الشارع كل جمعة، والحديث هنا عن مسار تأسيسي لا يعني بالضرورة الصيغة المثيرة للجدل، والتي تعرضت لتشويه مقصود من طرف السلطة، وهي الذهاب إلى انتخاب مجلس تأسيسي تكون وظيفته كتابة الدستور الجديد..

غير أن اختزال الأمر في "تعديل عميق"، يعني أن كل ما تنوي السلطة القيام به هو تجديد لواجهة النظام. وهذا يقودنا إلى طرح السؤال حول الصيغة التي يمكن من خلالها إجراء هذا "التعديل العميق"، وتجيبنا المؤشرات المتوفرة إلى الآن بأن الطريق سيكون فتح "حوار" يشارك فيه الجميع وتعود سلطة الصياغة فيه للسلطة وحدها، وهنا أيضا سنعود إلى صيغ سابقة للحوار وإلى جولات من المشاورات أفرزت دستورا للسلطة انتهت صلاحيته في مدة أقل من أربع سنوات، والجديد الذي قد يظهر هذه المرة هو اختراع طرف جديد تريد أن تسميه السلطة "الحراك" من خلال البحث عن "ممثلين" للشارع يقبلون بالجلوس إلى جانب ممثلي الأحزاب والجمعيات في هذا الحوار، مثلما تم إيجاد بعض الوجوه المحسوبة على "حراك فيسبوك" للقبول بعضوية الحكومة، وسيسمح هذا بتعويم فكرة الحوار وتحويلها إلى غطاء يمنح الوثيقة الجديدة صفة الشرعية، وواجهة الحكم صفة الجمهورية الجديدة دون أن يفضي هذا إلى إنهاء خضوع نظام الحكم للقواعد غير المكتوبة التي تعكس توازنات القوة التي تقوم على مفهوم القوة الخشنة مع التعامل مع المجتمع ككم مهمل وطرف قاصر غير قادر على المبادرة والتأثير.

على مستوى آخر، يأتي ذكر تعديل قانون الانتخابات تحديدا ضمن منطق فرض الأمر الواقع بمباشرة الاستعداد للمرحلة التالية المتعلقة بتنظيم انتخابات تشريعية ومحلية، وفي هذه الإشارة فرض لأجندة السلطة على الجميع، وتحفيز للمهتمين بتأسيس أحزاب جديدة والاستعداد للانتخابات بالانطلاق في العمل، وليس خافيا أن جزءا من النخبة المرتبطة بالسلطة تروج منذ شهر على الأقل بأنه يجب استيعاب درس 12 ديسمبر وعدم تكرار خطأ مقاطعة الانتخابات، وأن الخيار الوحيد هو إنشاء أحزاب والاستعداد للسيطرة على المجالس المنتخبة، وفي هذا الإطار يجري دفع بعض الوجوه المحسوبة على "الحراك" للدخول في هذا المسار الذي سيسمح ببناء واجهة جديدة تعوض الأحزاب التي ما عادت صالحة للاستعمال من قبل السلطة أي ما كان يسمى "الموالاة".

إن الدستور الذي يمثل عقدا يضع أسس الدولة ونظام الحكم لا يمكن أن يبني جمهورية جديدة إلا إذا كان ثمرة توافق بين أغلبية الجزائريين، وهذا التوافق لا يمكن أن يتحقق تحت إشراف سلطة غير شرعية نصبت نفسها حكما بالقوة وهي لا تملك إلا مشروعا واحدا هو مشروع تجديد واجهة النظام ضد إرادة الجزائريين الذين يواصلون التظاهر بلا كلل رفضا لهذا المشروع الذي يهدد مستقبل الجزائر وانسجام المجتمع.

قراءة 275 مرات آخر تعديل في الإثنين, 06 جانفي 2020 20:12