الإثنين, 06 جانفي 2020 23:12

لا مجال للانتظار: إما أن تبادر أو يتحرك غيرك.. تركيا ملأت فراغا رهيبا في ليبيا وتحركت حماية لمصالحها مميز

كتب بواسطة :

العرب، بلا مشروع ولا رؤية، عاجزون فاشلون، وعندما تتحرك تركيا، القوة الإقليمية الحليفة الصاعدة، باتجاه ليبيا، يصرخون، الفراغ إن لم تملأه أنقرة ستملؤه عواصم أخرى..العرب غارقون في تثبيت حكمهم والصراع من أجل امتيازاتهم ومحاربة العدو الوهمي داخل بلدانهم، ويريدون من الآخرين التفرج أو انتظارهم حتى يفرغوا مما أفنوا أعمارهم فيه؟؟؟ ولا مجال للانتظار: إما أن تبادر أو يتحرك غيرك..لا تتوقع أن تسبح المنطقة في الفراغ، لأنك مشغول عنها منصرف إلى ما يغرقك ويبعدك عن صناعة القوة والتأثير..

الجزائر تائهة مُغيبة عن ساحات التأثير، حتى الصراع في ليبيا، ما عادت تدير ملفه بعناية ولا استشراف ولا تخطيط إستراتيجي، غرقت السلطة في صراعات الحكم ومن يسيطر على القرار.

تركيا تتمدد وتوسع دائرة نفوذها وتأثيرها وتبحث لها عن أسواق وتجارة وطاقة، لا تهدد الأمن القومي للجزائر ولا تعنيها منطقة الساحل، تنافس الأطراف القوية المؤثرة على التأثير وتُزاحم، ربما غرقت في الشأن السوري بسبب ما تراه تهديدا من توجهات الأكراد الانفصالية، واستخدمت فصائل المعارضة السورية في الشمال لتضرب بهم الأكراد وتجهض حلمهم بإقامة كيان ذاتي قريبا من حدودها، وكنت، ولم أزل، من منتقدي السياسة التركية في استخدامها لفصائل الثورة السورية لحماية حدودها وأمنها القومي في مواجهة الأكراد، وتعاملها معهم كما لو أنهم فصائل تابعة لها، وإخضاعهم في صفقاتها مع الروس، لكن في الصراع الليبي الوضع يختلف. ففي ليبيا ومنطقة شمال إفريقيا، لا أكراد ولا حدود، وإنما غاز وأسواق وصراع على المتوسط مع المحور الإسرائيلي المصري اليوناني..

وفي هذا السياق، أشارت تقديرات صحفية إلى أن حكومة الوفاق تنظر إلى أردوغان بوصفه حاميا أساسيا بعد أن أرسل هذا العام مستشارين عسكريين وأسلحة وأسطولًا من 20 طائرة للدفاع عن طرابلس أمام قوات خليفة حفتر التي تسيطر على جزء كبير من شرق ليبيا وتحظى بدعم روسيا والسعودية والإمارات ومصر. ويُشار إلى أنه في الأيام الأخيرة، كانت الأمور سيئة جدا بالنسبة للحكومة في الخطوط الأمامية. وتركيا لا تسمح بتراجعها، وهذا يعتمد على ما ستجلبه تركيا للقتال ومدى سرعة وصول هذه التعزيزات.

وقد يوقف التدخل التركي القتال في ليبيا، لكنه لن يحسم المعركة، ومن المحتمل أن تقوم تركيا بنشر الحدَ الأدنى من الموارد اللازمة لصدَ الهجوم على طرابلس، وليس أكثر. ولفهم بعض دوافع التدخل العسكري التركي في ليبيا (ليس تبريرا)، ولا علاقة له بالناتو، وليس ثمة في الصراع الليبي أطراف جيدة وإنما هناك الأقل سوءا، أسوق هذا الخبر: "وقّع وزراء الطاقة، الإسرائيلي والقبرصي واليوناني، في أثينا، اتفاقاً لمدّ خط أنابيب تحت البحر الأبيض المتوسط، بطول 1900 كلم، لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

ومن المتوقع إتمام الخط بحلول 2025، فيما ستنظّم الأطراف الثلاثة في 2022 التفاصيل المتعلقة بالاستثمار. ويُعدّ الاتفاق دفعة مهمة لمشروع "إيست - ميد"، الذي وقعته حكومات أوروبية مع تل أبيب العام الماضي، لنقل 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً من الأراضي المحتلة إلى شبكة أنابيب الغاز الأوروبية عبر إيطاليا، مرورا بالمياه الإقليمية لقبرص الرومية وجزيرة كريت اليونانية فالبر اليوناني. وتحذّر أنقرة التي يتبع لها قسم من الجزيرة القبرصية، من الخطوة، وترى فيها تهديدا لمصالحها، وعائقا أمام الاتفاقية البحرية التركية الليبية ومنطقتها الاقتصادية، ما يعني أن التهديد لمصالح تركيا لا يقف عند خلافات الحدود والتنقيب".

ولهذا، سارعت أنقرة إلى توقيع مذكرة تفاهم مع حكومة طرابلس حول تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط، فهي لا تريد أن تبعد عن اللعبة الكبيرة التي تدور حول رواسب الهيدروكربون في شرق البحر المتوسط. وتدرك تركيا أنه إذا سقطت الحكومة الليبية في طرابلس، فإن الاتفاقية ستقع معها.

وأكثر من قرأت لهم من الكتاب الأتراك من المؤيدين والمعارضين لحكم أردوغان يرون أن دخول تركيا في الصراع الليبي لئلا تفقد وتخسر البحر الأبيض المتوسط وحماية مصالحها، كما إن خطة تركيا لإرسال قوات إلى ليبيا في مهمة منفصلة، وفقا لتقديرات محللين أتراك، قد حوَلت انتباه الجمهور إلى شرق البحر المتوسط ​، ممَا مكّن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تغطية الإخفاقات في الشمال السوري. فليست تركيا جمعية خيرية، ولكنها قوة إقليمية طموحة غير عدوانية، ولا تتعارض مصالحها مع الأمن القومي للجزائر..،وهناك مبالغة في إبراز الإرث التاريخي العثماني في التحركات التركية حتى تحولت إلى "فوبيا".

وللتذكير، يدعم أمير الحرب في ليبيا، الجنرال حفتر، عسكريا: مصر، والإمارات وفرنسا وروسيا..وحكومة طرابلس تدعمها تركيا عسكريا، والجزائر بالتصريحات، على الأقل حتى الآن.

وهناك من يكره أي تأثير لتركيا للصبغة الإسلامية للحكم، وإن تستر بحجج التدخل والتوسع، وأتباع المحافظين الجدد في بلادنا العربية يكرهون حكومة تركيا لأن لها ميلا إسلاميا، ولأنها استعادت مكانتها السياسية بهدوء تمتص القوة والنفوذ والدين والمال من العرب التائهين بين الثورة والوثنية السياسية. وانتهت العملية السياسية التركية بوجود حزب متمكن في الداخل شريك لأمريكا في الخارج. والسياسة الأمريكية تتحمل الند والمشارك وحتى الوكيل المتحرر من كل قيودها، وتحتقر التابع الذليل الغبي.

وتركيا وقفت ضدها الحكومات العربية التابعة للمحافظين اليهود لأسباب منها إسلاميتها وخصومتها للصهيونية. وحكام تركيا انتزعوا الديمقراطية من العسكر، وإن كان مجد التحول الديمقراطي في تركيا لا تتحقق إلا بعد أن تتداول أحزاب أخرى السلطة مع الحزب الحاكم، والحكومة التركية لها قوة شعبية ذات توجه ديني وقومي معتدل ونجاح اقتصادي باهر عالميا..وكان هذا النجاح أكبر ضمان لاستقرارها.

وهناك حكومات عربية لا تملك إلا أن تختلف مع تركيا بسبب موروث تاريخي يُساء تكراره بألسنة وأقلام جاهلة، ثم بسبب وجود حزب ذب انتماء إسلامي حاكم وناجح، فإن وجوده يسبب الغيرة وما يتبع من كراهية وحسد والتشنج تجاه أيَ توجه إسلامي، ثم لأن إسرائيل كلفت وكلائها بدور محاربي التوجهات الإسلامية ولو كانت بناءة وديمقراطيو..ونجاح الأتراك ليس لأنهم إسلاميون، بل سبقتهم تجربة ديمقراطية طوروها بروح جديدة.. وهكذا مكَنت الديمقراطية في تركيا شعبا عريقا من حكم نفسه، ونبذ المستبد العسكري المتكلس، ثم المصالحة مع الذات والمحيط.

قراءة 459 مرات آخر تعديل في الإثنين, 06 جانفي 2020 23:35