الخميس, 16 جانفي 2020 20:14

أصداء حوار في القصر.. شكرا سفيان جيلالي مميز

كتب بواسطة :

لم يكتف رئيس حزب جديد سفيان جيلالي بالحديث عما قاله لعبد المجيد تبون في اللقاء الذي جمعها بمقر الرئاسة أمس بل قدم لنا الإجابات التي تلقاها على الأسئلة التي طرحها والانشغالات التي عبر عنها، ومن ضمنها ما تعلق بقضيتين حساستين هما قضية المعتقلين، ومطلب فتح وسائل الإعلام أمام الرأي الآخر.

بالنسبة لقضية المعتقلين، قال تبون إنه من غير الوارد التدخل في عمل القضاء، وإن المسار القضائي يأخذ مجراه بشكل طبيعي وإن ثبتت براءة هؤلاء المعتقلين فإن حقوقهم ستحفظ، وهذا الرد يختصر رؤية السلطة للوضع بشكل عام وليس لقضية المعتقلين فحسب حيث تنطلق من فكرة الاحتكام إلى ما هو قائم، وينسجم هذا مع فكرة التمسك بالمسار الدستوري التي انتهت إلى تنصيب تبون رئيسا، كما ينسجم مع الرفض القاطع للشروط المسبقة التي وضعتها هيئة الوساطة والحوار وعرضتها على عبد القادر بن صالح في أول لقاء معه بعد تنصيبها مباشرة، وتقوم هذه الرؤية على تجاهل أصل المشكلة وفرض قواعد اللعبة المتمثلة في الاحتكام إلى مشروعية النظام ممثلة بترسانته القانونية والمؤسسات التي صنعها.

التناقض هنا هو أن هذه الرؤية تنكر الأهم، وهو أن الجزائريين يواصلون التظاهر من أجل تغيير النظام (وهذا مطلب يقره الخطاب الرسمي ويعترف به تبون الذي جعل بناء الجمهورية الجديدة عنوانا لمشروعه)، ومن بين المطالب التي تحقق الإجماع استقلالية القضاء التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، والحديث عن وجود معتقلي رأي ( هكذا يسميهم سفيان جيلالي) هو في النهاية إقرار باستعمال سياسي للقضاء، ثم إن القضية تزداد تعقيدا عندما ننظر إلى ما حدث يوم 2 جانفي الماضي عندما تم إطلاق سراح 76 معتقلا في يوم واحد ( من ضمنهم من صدرت في حقهم أحكام بالسجن النافذ، ومنهم من لم تتم محاكمتهم بعد)، وقد تم تقديم العملية كلها على أنها جزء من إجراءات التهدئة، وهي إجراءات سياسية لا علاقة لها بتطبيق القانون بما يعني أن رد تبون على جيلالي هو في حقيقته تأكيد لرؤية السلطة لميزان القوى، وأنها ماضية في استعمال الأساليب نفسها، وفي تجاهل الإشكالية الحقيقية وهي استقلالية القضاء.

هذه الرؤية تحكم الحوار ككل، فالسلطة تستمع إلى الجميع ولديها الإجابات الجاهزة، إجابات لا تختلف في شيء عن تلك التي كنا نسمعها دوما من النظام، فعندما يتعلق الأمر بالحديث عن التغيير تتم الإحالة دوما على الانتخابات مع إنكار واضح لحقيقة أن الانتخابات ليست نزيهة، كما يتم التحجج بإرادة الشعب المعبر عنها دون الالتفات إلى شبهة التزوير الذي من خلاله تصادر هذه الإرادة، وعلى مستوى أعلى يجري التشديد على التمسك بالدستور، كما حدث بعد أن انفجر الشارع وطالب بتغيير النظام، واليوم يتم اختزال التغيير في تعديل عميق للدستور كما يقول الخطاب الرسمي مع تجاهل السؤال الأهم، وهو: لماذا لا يحترم الدستور حتى بعد تعديله؟

والإجابة عن هذا السؤال تفتح حتما النقاش الحقيقي المتعلق بالقواعد غير المكتوبة التي يستند إليها النظام في ممارسة الحكم، وهي قاعدة تلخصها عبارة "القوى غير الدستورية" التي وردت في خطاب السلطة عندما أخرجت الثورة السلمية إلى العلن ما كان خافيا.

المسألة الثانية التي رد عليها تبون هي حرية الإعلام، وهنا قدم وعدا صريحا، حسب ما نقله سفيان جيلالي، بأن وسائل الإعلام ستفتح أمام المعارضة بمجرد طرح مسودة الدستور للنقاش (الإعلام العمومي والخاص)، ويختزل هذا الوعد إصرار السلطة على الإبقاء على الإعلام مغلقا، واللجوء إلى فتحه أمام ما يسمى المعارضة (ويقصد بها الأحزاب) والمتدخلين الجادين (هكذا قال سفيان جيلالي)..

وباختصار، فإن حرية الإعلام يمكن أن تظهر في المواسم الانتخابية، وأثناء فتح النقاشات التي تمثل جزء من أجندة السلطة كما حدث منذ مناقشات إثراء الميثاق الوطني في عهد الحزب الواحد إلى يومنا هذا، فلا وجود لقناعة عميقة بأهمية بناء نظام سياسي مفتوح تلعب فيه وسائل الإعلام الحرة دور السلطة المضادة، ولا مجال للتفكير في الخدمة العمومية في وسائل الإعلام العمومية، وأي ملاحظ نبيه لا يمكن أن يخالطه أي وهم بأن السلطة تفكر في التخلي عن السيطرة الكاملة على الإعلام وتكريسه للدعاية، ويمكن التأمل في التبرير الذي قدمه لحجب بعض المواقع الإخبارية لفهم رؤيته لحرية الإعلام. تكفي رؤية تبون لمسألتين تشغلان الرأي العام الآن لإدراك مفهوم الحوار لدى السلطة، ومعرفة حدود تحرك عبد المجيد تبون الذي يشغل منصب الرئيس، والطريقة التي سيدار بها هذا الحوار وإلى أي نهاية سيؤول، ولأن سفيان جيلالي قدم لنا تفاصيل الصورة وجب علينا أن نقول له شكرا.

قراءة 600 مرات آخر تعديل في الخميس, 16 جانفي 2020 20:27