الأحد, 19 جانفي 2020 20:16

أوروبا العجوز استفاقت بعد التحرك التركي: لولا الدعم الفرنسي والإماراتي لما تضخم "حفتر" وهدَد طرابلس مميز

كتب بواسطة :

بعد تجاهل الحرب التي بدأت في ليبيا لمدة تسعة أشهر، أخذت القوى العالمية، فجأة، تهتم بالدولة الواقعة في شمال إفريقيا، ليبيا، التي يعيش شعبها في خوف دائم خشية تدهور الوضع في أي وقت. ولكن يرى مراقبون أن الأحداث التي سبقت مؤتمر برلين تشير إلى أن المؤتمر سيفشل. فقد تجاهل زعماء فرنسا، منذ أشهر، دعوات للتدخل في ليبيا، حيث يشن زعيم المتمردين خليفة حفتر، بدعم من الإمارات والسعودية ومصر، حرباً ضد السلطة في طرابلس، التي توسطت الأمم المتحدة لإقامتها، وهذا ليظفر الجنرال الدموي بالسيطرة على كامل البلد.

أصر الجنرال "حفتر" على أن أولئك الذين يديرون طرابلس هم "إرهابيون"، وهو ما يعتبره الخبراء اتهاما غريبا ضد فايز سراج، رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني، وسليل عائلة ليبية معتدلة من النخبة.

ومن الواضح أن حفتر لم يكن ليصل إلى ما عليه اليوم لولا الدعم الدولي من طرفين: أحدهما الدعم العسكري الثابت لدولة الإمارات، التي ترى في حكومة طرابلس منحازة للإسلاميين، وقد انتهكت الحظر المفروض على الأسلحة بإرسال طائرات من دون طيار والمساعدة في تمويل المرتزقة السودانيين وربما الروس لدعم حفتر. والآخر هو عضو مجلس الأمن الدولي، فرنسا، التي تعمل بنشاط على التدخل الدبلوماسي لمصلحة حفتر ضد حكومة طرابلس المعترف يها، دوليا، وعملية السلام التي تدعمها ظاهريًا وزارة الخارجية في باريس.

في الأشهر الأخيرة، خففت فرنسا، مرارًا وتكرارًا، لهجة قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وبيانات الاتحاد الأوروبي بشأن ليبيا، وغالبًا ما أزعجت، بهذا، الدول الأخرى. وبينما لا تزال دوافع ماكرون غير واضحة، فإنه يفعل ذلك جزئيًا بسبب تقارب الغرب مع الحكام المستبدين على شاكلة حفتر، وتوسيع دائرة النفوذ والتأثير في منطقة شمال إفريقيا، وممارسة الضغط على الجزائر وتونس، ولأن هذا هو ما يريده الحكام الإماراتيون والمصريون الذين يشترون كثيرا من الأسلحة الفرنسية.

بل إن ماكرون أقنع إيطاليا، التي كانت تدعم الحكومة في طرابلس لإبعاد شبح تدفق المهاجرين، لتخفيف دعمها، وبدا أنها تبذل كل ما في وسعها لمنع حفتر من الشعور بالحرج بعد تفجيرات الأهداف المدنية، بما في ذلك عشرات الأبرياء المهاجرين الذين قتلتهم قواته. لمدة تسعة أشهر فشلوا في مواجهة حفتر أو إلزامه بمحادثات السلام ومنعوه من شن الحرب العام الماضي، والتمادي غفي انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرته، أو لاستمراره الهجمات على المواقع المدنية في طرابلس وحولها. وتجاهل القادة الغربيين، وتنكر العرب والعجم لمأساة ليبيا، أوجد فراغا ملأته تركيا بقوة، وهي من بين المؤيدين الدوليين القلائل لحكومة الأمم المتحدة في طرابلس.

وقد كشف أردوغان في الأسابيع الأخيرة عن خطط لتعزيز القوات التي تدافع عن طرابلس بقوات ومعدات المتطورة، وكان هذا مناورة منه جريئة تهدف إلى دعم حلفائه في طرابلس وبناء النفوذ التركي عبر البحر المتوسط. احتجت فرنسا ومصر واليونان والإمارات وقبرص متهمةً تركيا بانتهاك حظر الأسلحة الذي ينتهكه "حفتر" منذ سنوات، والاستيلاء على مستودع الغاز الضخم. ثم في 13 جانفي، فاجأ بوتين وأردوغان الغرب بجلبهما سراج وحفتر إلى موسكو لإجراء محادثات سلام، بعد أيام من حث الطرفين على الاتفاق على هدنة.

ولم تحقق المحادثات شيئًا بعد أن غادر حفتر في غموض ولم يوقع. لكنهم أبعدوا فكرة أن الغرب يمكن أن يحقق أيًا من أهدافه الغامضة في ليبيا من خلال تفويض قراره إلى محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي الطموح ومهندس السياسة الخارجية للإمارات. ولم يقتصر الأمر على منح هامش سياسي لتركيا لدعم صفقة بحرية مع ليبيا، إذ طالما سعت لتحقيق أهدافها التجارية والإستراتيجية وتوسيع مجال نفوذها والبحث عن موارد جديدة للطاقة، بل منح لقاء موسكو فرصة لبوتين ليصبح صانع رؤساء في بلد عربي آخر، بعد أن نجح في عرض حضوره في سوريا..

كان مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، ونوابه يستجدون الزعماء الغربيين منذ شهور لتغيير المسار بشأن ليبيا، وأصدروا تحذيرات في مجلس الأمن حول تنامي الكارثة الإنسانية هناك، وإمكانية ظهور "داعش" في ظل الفوضى. ولكن لم يتحرك الغرب إلا بعد اجتماع موسكو، حيث اندفعت، فجأة، ميركل وماكرون إلى مؤتمر السلام ببرلين، أو يمكن القول إنه عندما دخلت تركيا بقوة على خط الصراع وتحالفت مع حكومة الوفاق، استفاقت أوروبا العجوز المترهلة، التي فقدت كثيرا من ثقلها، ولكن ربما في الوقت الضائع. فقد كان الصراع الليبي يتفاقم، شيئا فشيئا، على مدار أكثر من ثماني سنوات، إلا أن الاتحاد الأوروبي كان غالبًا ما يتغاضى عن هذا الأمر، إذ لم تكن ليبيا مهمة، إلا بتحولها إلى ساحة وبيئة خصبة للتنظيمات المسلحة "المتشددة"، وممرا يتدفق منه اللاجئون.

قراءة 192 مرات آخر تعديل في الأحد, 19 جانفي 2020 21:04