الخميس, 23 جانفي 2020 11:56

هل لتضخم الأعداد تأثير في "المردود": عن الكتلة الشعبية الحرجة للحراك الموجبة للتغيير مميز

كتب بواسطة :

كلُّ ثورات العالم التي غيرت الأنظمة أو التي أجبرتها على تغيير سياساتِها جذريا، لم تكن تمثل إلا نسبةً تتراوح من 2% إلى 5% من إجمالي تعداد السكان، كانت هي النسبة التي خرجت إلى الشوارع وتظاهرت واعتصمت وأضربت وناضلت وطالبت وقدمت التضحيات..

وقلما احتاجت ثورة من الثورات إلى كتلة بشرية أعلى من ذلك لتحقيق المردود الثوري والتحريك الشعبي سعلى الأرض..بل إن بعض الدارسين يؤكدون أن الثورات التي أظهرت فعَاليتها الميدانية وتجاوزت كتلتها البشرية الفاعلة نسبة الـ5%، لم تحقق نتائجها في الواقع بسبب تلك الزيادة، من منطلق أن الواقع الثوري في الشارع كان في حاجة إليها لينجزَ مشروعه، بل إن النتيجة الثورية كانت متحققة بوصول الكتلة البشرية الفاعلة إلى الـ 5%، وأن الزيادة لم تكن أكثر من تضخم في الكتلة تجاوبا من فئات شعبية جديدة مع الثورة التي كانت ستحققُ النتائجَ نفسَها حتى لو بقيت الكتلة الفاعلة كما هي دون تجاوز حاجز الـ 5%.

وهذه أرقام ونسب معتمدة بناء على الأبحاث والدراسات التي أثرت علما أو تخصصا أصبح يُدَرَّس في الجامعات، في كليات "علم الاجتماع" و"الأنثربولوجيا" و"العلوم السياسية" يُسمَى "علم الثورة"، أو "أنثروبولوجيا الثورة" أو "علم اجتماع/سوسيولوجيا الثورة"..

وأما القول بأن القلَة، فقط، هي التي تخرج، فيما الأغلبية لا تزال في بيوتها، وهو ما يعني أنها غير راضية عن التغيير وعن المطالب التي ينادي بها الشارع، فهذا كلام فيه مغالطة وتدليس مكشوف، ويتمادى آخرون، تدليسا، ويعلنون صراحة أن النسبة التي لا تخرج إلى الشارع، ولا تُعَرُ عن رأيها، هي ضد الحراك ومطالبه!!

والجواب على هذا، وفقا للدارسين، يعتمد على قواعد المنطق: فالذي يريد التغيير إذا كان يخرج إلى الشارع مُعبَرا عن ذلك بالفعل الحراكي أو الثوري على الأرض، فإن الذي لا يريد التغيير عليه، أيضا، أن يخرج إلى الشارع مُعبَرا عن ذلك، لأن النفي والإثبات كلّ منهما يحتاج إلى برهان..

فالذي يقول بأن الماكث في البيت رافض للحراك، عليه أن يثبت هذا، وإذا كان النافي يُعفي من البرهان، فكلاهما مُعفى، وإذا كان المُثبِت ملزمٌ البرهان فكلاهما مُلزم به، وهكذا. وبالتالي فكلّ من النفي والإثبات، هما إثبات ونفي من الوجه الضد المقابل، وبالتالي فالبرهان مطلوب من الطرفين، المثبت والنافي، الرافض والقابل، المعارض والموالي.. 

فالمقارنة للتعرُّف على حجم الكتلة الشعبية في هذا المعسكر أو في ذاك، تتِمُّ بين من يخرجون للمطالبة بالتغيير، ومن يخرجون ضد المطالبة بالتغيير، وليس بين من يخرجون للمطالبة بالتغيير، ومن لا يخرجون للمطالبة به أصلا..فهذه الفئة الأخيرة سلبية ومتلقية ومترقبة، وستقبل بنتيجة المعركة بين طرفي الصراع والتدافع، وهما الطرف الذي خرج مطالبا بالتغيير، والطرف الذي خرج -إن خرج- مطالبا بعدم التغيير، أو على الأقل متبنيا رؤية النظام في التعامل مع مطالب الفئة الأخرى المضادة..

وفي أثناء الفعل الحراكي أو الفعل الثوري، قد تتَّسع هذه الفئة أو تلك، بعد أن تكون قد تمكنت من استقطاب أعداد جديدة لصفها من قلب الفئة السلبية الخاملة المترقبة المتلقيَّة..لكن المحصِّلة والنتيجة لن تصحَّ قراءة مساراتها إلا من خلال المقارنة بين الفئتين المتنافستين في الشارع، ومدى قدرة أدوات كلِّ واحدة منها على فرض رؤيتها على الأخرى، وبالتالي على السلطة، وهذا جوهر المواجهة التغييرية بين النظام ومؤيديه، بكل أصنافهم، وبين الحراك ومؤيديه بكل أصنافهم..

وفي الوقت الذي انشغل فيه بعض الموالين المطبلين بتحصيل بعض القشور التي لا قيمة لها من النظام، لم تجد هذه السلطة نفسها مضطرة، بعدُ، لتقديم ما هو أكثرَ من وعود وتعديلات لا علاقة لها بجوهر القضية المركزية، ولا تستجيب لمطالب الشارع وكتلته الشعبية الحرجة الموجبة لفرض التغيير..

فالكتلة الصامتة والمترقبة، حتى لو كانت ترغب في تغييرٍ لم تعبِّر عن إرادتها باتجاهه، فهي تريده تغييرا حقيقيا مضمونا يقوده شرفاء نزهاء من أهل الكفاءة والقدرة منبثقين من إرادة التغيير الشعبية. وتوصي "الحكمة الثورية"، حسب الدارسين، بتطوير مكونات ثقافتنا الحراكية الحاليَة، بما يناسب متطلبات إحداث ثغرة ملموسة في جدار ممانعة تلك الكتلة من الشعب، وهذا للتأسيس لنزيف جماهيري داخل "الكتلة المترقبة الصامتة المتلقية"..   

قراءة 141 مرات