الخميس, 23 جانفي 2020 19:11

لم كل هذه المحاولات المُركزة لتحطيم الناشط السياسي، كريم طابو، نفسيا؟؟ مميز

كتب بواسطة :

السجن ليس مجرد أداة للسيطرة السياسية وإخراج الخصوم من الساحة، بل أداة نافذة تسعى لإلغائهم تماما...أسوأ شيء في السجن، نفسيا، الفجر.. طلوع الصباح.. ملامح يوم جديد تعني تجدد هذا الجحيم كله. وأشد اللحظات قسوة هي الخيوط الأولى لنور هذا اليوم الجديد وسط الظلام المُفزع.. هذه هي اللحظة التي يشتد فيها العذاب النفسي..

معزول في زنزانة انفرادية منذ أكثر من 4 أشهر..يريدون تحطيمه نفسيا، كما قال أحد محاميه. التعذيب أو التحطيم النفسي لا يُراد منه انتزاع اعترافات، إذ التحقيق معه انتهى تقريبا، وكان الأولى أن يحاكموه إن وجدوا ما يستحق محكامته عليه، وإنما الأشد قسوة وهمجية: تحطيم نفسية الخصوم السياسيين، إنه ذلك النوع من التعذيب الذي يُمارس بأعصاب باردة وعلى فترات زمنية طويلة تحطيما للقدرات الفكرية والطاقة الروحية للسجين السياسي، عن طريق التحطيم البطيء المحسوب، والضغط الدائم المرهق..

السجن أداة السلطة لإخراج منافسيها ومعارضيها من ساحة المعركة، وله وظيفة أخرى، إذ ليس مجرد أداة للسيطرة السياسية وإخراج الخصوم من الساحة، بل أداة نافذة تسعى لإلغائهم تماما، كأنهم قد ذهبوا "وراء الشمس"، بل  يلغي الاعتراف بإنسانية المعتقل.

وقد أوضح هذا الكاتب والروائي البريطاني اللامع، جورج أورويل، في روايته "1984"، حيث يقول: "كيف يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟ فكر ونستون ثم قال: بأن يجعله يعاني"، حيث يتم اختزال المعتقل إلى مجرد رقم أو شيء شرير لا يستحق إلا الإهانة والإذلال، بل يتم "اختزال كيانه في أسطورة الخيانة، أو التخريب أو الشر، أو عدو الأمن القومي، إنه باختصار ليس بإنسان ذي حرمة أو قيمة، بل يُحول إلى أسطورة القيمة المضادة المستباحة من دون حدود...."، وصولا إلى مرحلة الصدمة، التي تنهار فيها كل دفاعات الإنسان تحت سياط التعذيب النفسي وحصار السجن وظروفه الرهيبة..

"طابو" أرادوه للحوار، على طريقتهم، فرفض، فقرروا التمديد له في سجن "القليعة" إلى أن يصنعوا محاورين "ثقاة" مرضيَ عنهم، وبعدها قد يُفرج عنه.

مشكلتهم مع "طابو" في التمثيل والمحاورة، هو رافض لهذا وذاك، فزادوه رهقا وعذابا نفسيا، صنعوا ما هو أسوأ من هذا وذاك مع الشيخ علي بن حاج، قديما وحديثا، بل وإلى يومنا هذا، بطرق متنوعة، لكن تصب كلها في التحطيم النفسي وفرض الاستسلام والانهيار..

ودلالة التعذيب النفسي قد تكون أصعب احتمالا، ففيها تحقير الضحية وإذلالها وتجريدها من إنسانيتها. والزنزانة الانفرادية لطابو تعني محاولة لتدمير عقله وعزله للتأثير في تفكيره وتدبيره وقراره وكفاءته الذهنية..

يحاولون كسر إرادة الحراك بتحطيم "طابو" نفسيا والانتقام منه، وهم يدركون قبل غيرهم أن الثورة السلمية المستمرة بلا رأس وقرارها بيدها لا بيد أيَ من رُوَادها وناشطيها..ثبات "طابو" مكسب للحراك ومُلهم له، لكن مصير الثورة ليس معقودا على أحد، مهما علا قدره، فالحراك قوة ضغط شعبية دافعة تتجاوز الأشخاص بأعيانهم، ومرتبطة أكثر بتحرك وتصميم الكتلة الثورية الصلبة المُصمَمة.

قراءة 732 مرات آخر تعديل في السبت, 25 جانفي 2020 08:04