السبت, 28 مارس 2020 06:56

لماذا اختاروا "قمع" فيروس "كورونا" بدلا من فكرة "مناعة القطيع"؟؟ مميز

كتب بواسطة : وائل عصام / كاتب عربي مقيم في تركيا

كانت بريطانيا أول من طرح أسلوب "مناعة القطيع" لمواجهة وباء كورونا، وتبعتها هولندا، قبل أن تتراجع بريطانيا عنه مؤخرا. ويرى بعض العلماء أن هذا الأسلوب يقدم حلا جذريا ودائما لوباء كورونا، وهو يعتمد على فكرة بناء مناعة ذاتية عند 60% من السكان، ما يخفف انتشار العدوى تلقائيا، لأن المصابين بالفيروس ستتكون عندهم مناعة ذاتية، تمنع إصابتهم به مجددا، بينما المسنون والمرضى هم فقط من سيتم الحجر عليهم بصرامة.

وتنبع أهمية هذا الأسلوب "مناعة القطيع"، من عدة حقائق تم استخلاصها من بيانات المرضى في الدول التي أصيبت به مبكرا، خصوصا الصين، الأولى، أن 80% من السكان لن يتأثروا بأي أضرار جراء الإصابة بالفيروس، وقد لا تظهر عليهم أعراض المرض، بينما سيحتاج أقل من 20% للرعاية الصحية، ويتوفى أقل من 2% معظمهم من المسنين أو المرضى، وبالتالي فإن إصابة الأصحاء ومن هم دون الستين عاما، ويمثلون أغلبية السكان، لن يسبب أذى لهم أو للمجتمع، ولن يشكل ضغطا على الرعاية الصحية، ولكنه سيمنحهم مناعة ذاتية تمنع تفشي الفيروس بالمجتمع مع إي موجة مقبلة.والفئة المهددة، وهم المسنون والمرضى، سيكونون بحاجة لحجر وعزلة منزلية ورعاية صحية.

ولكن في المقابل، فإن ترك الفيروس ينتشر بسرعة خلال فترة وجيزة، من دون فرض عزل وحجر منزلي للسكان الأصحاء، سيعني أيضا أن النسبة المهددة ومن هم بحاجة لرعاية صحية، ستصاب به بموجة واحدة، وهذا يعني ضغطا هائلا على الرعاية الصحية وغرف الإنعاش في فترة وجيزة، لا تحتمله إمكانيات معظم الدول الأوروبية وأمريكا، ما دعا بريطانيا وهولندا، اللتين دعمتا فكرة "مناعة القطيع" في البداية، أن تتراجعا عنه، بحيث دعت الحكومة البريطانية السكان لالتزام منازلهم.

ومن إيجابيات "مناعة القطيعّ، حسب الأبحاث المتخصصة المنشورة، أنه يمنع عودة الفيروس للانتشار في الشتاء المقبل إذا لم يتوصل للقاح خاص للفيروس، في أقل من عام، ولاحظ باحثون أن الفيروس الذي من المتوقع أن يضعف تأثيره مع ارتفاع درجات الحرارة، قد ينتشر في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، الذي سيكون باردا الأشهر المقبلة، ليعود مع الشتاء المقبل للانتشار في النصف الشمالي، وهذا يعني، انه في حال عدم إنتاج لقاح، فإن الحجر المنزلي الذي فرضته الدول، هو مجرد إبطاء لانتشار العدوى وليس إنهاء لها، ولن يمنع عودة موجة جديدة للوباء...

وقد يكون ارتفاع درجات الحرارة المرتقب في الأسابيع المقبلة في البلدان العربية، عاملا مساعدا على تخفيف انتشار الوباء، إذ أنه ووفق ثلاثة مراكز بحوث، آخرها معهد ماساتشوستس، فإنه لوحظ أن الفيروس ضعيف الانتشار في البلدان التي تتجاوز فيها الحرارة 17درجة مئوية.

ومن المهم هنا الإشارة، إلى أن الاهتمام الإعلامي الكبير بوباء كورونا، يأتي كونه سريع الانتشار والعدوى، مقارنة بغيره من سلالات الانفلونزا، فنسبة الوفيات لا تزال محدودة في نطاق 1% إلى 2%..

والدراسة الإحصائية، الأهم التي صدرت، كان من طرف باحثي "إمبريال كوليدج" البريطانية، وهي الدراسة، التي أوصت الحكومة البريطانية بعدم إتباع "مناعة القطيع"، رغم إيجابياتها، لأنها تشكل ضغطا كبيرا على القطاع الصحي.

التقرير الذي نشر قبل أسبوعين، قارن إحصائيا بين أسلوبين، وهما الإخماد Suppression، والتخفيف Mitigation الذي يقود لـ"مناعة القطيع"، ويشرح التقرير الفرق بين الأسلوبين المتاحين للتعامل مع كورونا، وأحدهما "مناعة القطيع"، ليتوصل في النهاية للخلاصة.

ويوضح التقرير أن أسلوب الإخماد، وهو المتبع حاليا بمعظم الدول، يعتمد على الحجر وعزل السكان لعكس نمو الوباء ومنع انتشار العدوى، لتخفيف الضغط على القطاع الصحي، ولكن أهم سلبياته أن الفيروس قد يعود للانتشار بموجة جديدة الشتاء المقبل، حال تعذر إنتاج لقاح، كما وضحنا سابقا.

أما الأسلوب الثاني، فهو سياسة التخفيف (مناعة القطيع)، وهو لا يهتم بوقف انتشار العدوى، بهدف تكوين مناعة للسكان الأصحاء، ويحجر على الفئة المهددة، فقط، كما يستخدم التدخل غير الدوائي NPI، وتعمل المناعة المكتسبة عند الأصحاء على منع عودة الفيروس بموجة جديدة، ولكن مشكلته أنه يسبب ضغطا هائلا على القطاع الصحي 8 أضعاف طاقة الاستيعاب، ويشير التقرير إلى نسب وفاة منخفضة لمن هم أقل من 60 عاما، وهي أقل من 1%، ولا تتجاوز 10% لمن هم 70 عاما فما فوق. لكنه يخلص إلى أنه من غير المحتمل أن يكون "التخفيف" ممكنًا من دون تجاوز الطاقة الاستيعابية لخدمات الطوارئ/الرعاية الصحية في بريطانيا وأمريكا.

وفي النهاية، يستنتج الخبراء في "امبريال كوليدج" أن: قمع الوباء، هو الإستراتيجية القابلة للتطبيق حاليا "مع آثار عميقة اجتماعيا واقتصاديا"، ويفسر التقرير تراجع الحكومة عن إتباع "مناعة القطيع" بالقول إنه "لم يتم التوصل إلى هذا الاستنتاج إلا في الأيام القليلة الماضية، بعد متابعة الوباء في إيطاليا والمملكة المتحدة".

قراءة 516 مرات