السبت, 30 ماي 2020 05:15

الانقسام القبلي كبير... لا يمكن لأي من طرفي الصراع في ليبيا أن يهزم الآخر مميز

كتب بواسطة :

ناقشت الباحثة في كلية الدراسات الأمنية في كينجز كوليدج في لندن، أليسون بارغيتر، حسابات القبائل الليبية وتأثيرها على الصراع على السلطة. وينصبَ بحثها الأساسي على القضايا السياسية والأمنية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على ليبيا.

قالت الباحثة إن القبائل كانت دائمًا مكونًا مهمًا للنسيج الاجتماعي الليبي. ومع ذلك، فقد أدى انهيار نظام القذافي في عام 2011 إلى ظهور القبائل في الصدارة وتأكيد نفسها بقوة أكبر.

في الواقع، على الرغم من أن القبائل كانت في وقت تغيير النظام قد تم رفضها إلى حد كبير باعتبارها من مخلفات الماضي، إلا أنها تمكنت ليس فقط من التحمل ولكن أيضا من التكيف. وتسيطر القبائل على مدن ومناطق معينة، وتشتبك في القتال، ولها تأثير مباشر على الصراع من خلال تحالفاتها مع الأطراف المحلية المؤثرة في الصراع. وفي الوقت نفسه، هم أيضًا فاعلون اجتماعيون مهمون، يوفرون الملجأ والحماية ويدفعون أيضًا للمصالحة، خاصة على المستوى المحلي. ومع أنها قد تكون كيانات معقدة تتخطى وظائفها المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فإنها لا تزال تلعب دورًا مهمًا وستكون حاسمة لأي حل مستقبلي للبلاد.

وقد أدرك الجنرال حفتر في وقت مبكر من حملته للسيطرة على بنغازي أنه سيحتاج القبائل للنجاح. وبدأ الضابط العسكري السابق المنشق بمغازلة القبائل في وقت مبكر من عام 2013، إذ لم تكن لديه قاعدة دعم حقيقية داخل ليبيا باستثناء مجموعة من ضباط الجيش السابقين الساخطين، وبحلول مارس 2014 نجح في الحصول على ولاء عديد من القبائل الشرقية الكبيرة، وتعهدت بولائها له ووفرت أكثر المجندين الأوائل لحملة "عملية الكرامة" في بنغازي.

وعلى الرغم من أن حفتر انضمت إليه منذ ذلك الوقت مكونات أخرى، ومنهم السلفية المدخلية الجامية، الذين يمثلون قوة مؤثرة داخل جيش حفتر، فإن القبائل شكلت جزءًا أساسيًا من آلة حفتر العسكرية ، وكذلك قاعدة دعمه الأوسع. وقد رأت القبائل الشرقية في حفتر فرصة لتخليص بنغازي من القوى الثورية الجديدة التي سيطرت على المدينة في أعقاب ثورة 2011. وكانت هذه القوى في الغالب متحضرة، وعديد منها محسوب على إسلاميين، وقدم كثير منهم من مصراتة، وكانوا من بين الأعداد الكبيرة من سكان بنغازي الذين استقرت أسرهم في المدينة منذ أجيال.

وبالنسبة للقبائل، فإن معركة حفتر من أجل بنغازي اكتسبت خصائص معركة بين "السكان الأصليين" و"الغرباء". والأهم من ذلك، مع مخاوف القبائل الشرقية من أن نفوذها وإمكانية وصولها إلى الوظائف والموارد معرضة للخطر، فإن الحملة المسماة "عملية الكرامة" التي يقودها حفتر تتوافق مع مصالحها الخاصة.

ومع تطور هذه العلاقة، اضطر كل من حفتر والقبائل لاستيعاب بعضهم بعضا. ويقع حفتر ضمن تقاليد القادة العسكريين العرب العلمانيين، مثل القذافي وصدام حسين في العراق، الذين نشأوا من قبائل صغيرة ومدن هامشية، والذين أدركوا أهمية تسخير الدعم القبلي. وعلى الرغم من أن القذافي جاء إلى السلطة ناقدا القبائل باعتبارها "بقايا رجعية من الماضي"، إلا أنه أعاد عمداً إحياء المفاهيم والرموز القبلية في وقت مبكر من قيادته من أجل إنشاء تحالفات قبلية جديدة من شأنها ترسيخ حكمه وإعطائه العمق الاجتماعي والسياسي.

ومثل القذافي، استخدم حفتر القبائل وتلاعب بها لصالحه، واكتسب ولاءً قبليًا من خلال توزيع المناصب في الشرطة، والأجهزة الأمنية، والبلديات المحلية في الشرق، بالإضافة إلى المزايا الأخرى. كما أعطى القبائل درجة من المساحة للسيطرة على مناطقهم. وعلى الرغم من أن حفتر قد لا يكون ماهرًا مثل القذافي في لعبة القبائل، إلا أنه يفهم بوضوح ما يمكن أن تقدمه القبائل، وكذلك ما هي حدودها. ومن دون تجاهل العوامل الأخرى، بما في ذلك الدعم الخارجي، فإن الدعم القبلي أمر حاسم لبقاء حفتر وقدرته على تصوير نفسه على أنه ضروري لأي تسوية سياسية. إذ من دون القبائل الشرقية خلفه، ستنخفض قوة حفتر بشكل كبير. وكانت القبائل ضرورية أيضًا لتمدد حفتر خارج المنطقة الشرقية.

ولولا الصفقات والتحالفات التي عقدها مع القبائل في الهلال النفطي والجنوب، لما استطاع أن يدعي أن هذه المناطق تابعة لسلطته. وبالمثل، كان تحالفه مع القبائل في ترهونة هو الذي فتح المنطقة جنوب شرق طرابلس، مما مكنه من التقدم نحو العاصمة. وبالإضافة إلى الأسباب التي سبق ذكرها، رأت القبائل أن ثورة 2011 لم تسفر عن شيء. لقد فشلت في إنتاج نظام سياسي جديد لأي نفوذ، وكانت ليبيا تغوص أكثر في الفوضى وعدم الاستقرار.

بالإضافة إلى ذلك، كان الحكام الجدد والميليشيات التي اعتمدوا عليها يسعون إلى انفصال واضح عن الماضي. وأدى الانقلاب على النظام القديم إلى زعزعة القبائل، بما في ذلك القبائل التي انضمت إلى الثورة. ومع أنهم ربما كانوا على استعداد للتخلي عن القذافي، إلا أنهم لم يكونوا مستعدين لنظام جديد بالكامل. ومع أن بعض القبائل قد يكون لديها مخاوف بشأن طموحات حفتر الشخصية، إلا أنهم ينظرون إليه على أنه أفضل وسيلة للحفاظ على أنفسهم ومصالحهم، وتحقيق الاستقرار في مناطقهم.

وعلى الرغم من أن حكومة الوفاق الوطني، ومقرها طرابلس، قد بذلت محاولات لجذب كبار الشخصيات من القبائل الشرقية الكبيرة، وقدمت لهم مناصب حكومية رفيعة، إلا أن هذا أقرب إلى النفعية السياسية التي تهدف إلى كسر المعارضة من أي محاولة جادة لجذب القبائل. والأهم من ذلك، أن حكومة الوفاق الوطني هي رأس من دون جسم وهي أضعف من أن تكون قادرة على صياغة أي سياسة متماسكة أو ذات معنى تجاه القبائل.

ولكن من المرجح أن تتعرض علاقة حفتر مع القبائل للضغط إذا استمر في تكبد الخسائر والهزائم في حملته العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس. ومع ذلك، من المرجح أن تستمر القبائل الشرقية في تقديم الدعم له لأنه لا يوجد حتى الآن بديل موثوق به في نظرها. والمشكلة بالنسبة لليبيا هي أنه لا يمكن لأي من طرفي الصراع أن يهزم الطرف الآخر. فلن تتمكن حكومة الوفاق الوطني أبداً من تحقيق تقدم كافٍ في الشرق، وان يتمكن حفتر من إخضاع طرابلس أو مصراتة. ولا يزال الانقسام القبلي أكبر بكثير من أي شعور بالوحدة في ليبيا، مما يشير إلى أن البلاد ستقع في صراع مرير في المستقبل المنظور.

قراءة 169 مرات آخر تعديل في السبت, 30 ماي 2020 05:24