السبت, 15 ماي 2021 09:00

الكاتب والمحلل الفلسطيني "ساري عرابي"...هذه مواجهة مفصلية، سيكون لها أثرها المعنوي الهائل في فلسطين والمنطقة العربية مميز

كتب بواسطة :

لمتابعة آخر تطورات الحرب الصهيونية على غزة وملامح التحول في قواعد الصراع وجديد المقاومة في غزة ودلالات التفاعل الميداني المؤثر لفلسطيني الداخل والاشتباكات مع الشرطة الصهيونية والمستوطنين، حاورت صحيفة الأمة الإلكترونية الباحث والمحلل السياسي من أرض فلسطين المقاومة، الأستاذ ساري عرابي (وهذا حسابه على تويتر: https://twitter.com/sariorabi)، وهو من أكثر الكتاب الفلسطينيين اطلاعا ودراية بشؤون المقاومة ومعاركها مع الإرهاب الصهيوني.

* صحيفة الأمة: ما الذي تغير في الجولة الحالية من الصراع؟

**الأستاذ ساري عرابي: ما تغير في الصراع كثير، ولا سيَما على المستويات الإستراتيجية والثقافية ومراكمة نقاط القوّة للفلسطينيين وإضعاف العدوّ وكشف نقاط ضعفه، ومن ذك:

1. تمكن المقدسيون في السنوات الأخيرة منذ العام 2017 من كسر المعادلات الإسرائيلية، وإجبار الاحتلال على التراجع عن إجراءاته أو نواياه، كما في هبة باب الأسباط عام 2017، وهبة مصلى الرحمة عام 2019، وأخيرًا في الهبة المكثفة المركزة من ساحة باب العمود إلى حيّ الشيخ جراح إلى المسجد الأقصى.

2. تمكنت المقاومة في غزّة في محطات سابقة، من كسر المعادلات الإسرائيلية على مستوى غزّة، حينما حطمت إرادته بأن تكون يده هي العليا، ولم تستسلم لظروف القطاع المحاصر وارتباط المقاومة بسلطة مسؤولة عن إدارة الناس، فكانت ترد على القصف بالقصف، وتواجه محاولات التوغل، وترد علي الأمني بعمل أمني.. الآن في الجولة الحالية المقاومة كسرت المعادلة الإسرائيلي على المستوى الوطني، فهي تعيد تكريس نفسها مقاومة فلسطينية عامة، تقود قاطرة الكفاح الفلسطيني، وليست مقاومة مناطقية، ولا هي مقاومة ذات وظيفة تفاوضية تهدف إلى مناورة الاحتلال لرفع الحصار وتحسين شروط الحياة في غزة، إنما هي مقاومة وطنية مبادئة ومشاغلة ومبادرة، تقاتل من أجل فلسطين كلها وفي طليعتها القدس.

3. دخول فلسطينيي الـ 48 على خط المواجهات. كان ميدانيّا مهمّا لإسناد غزة وتشتيت جهود الاحتلال، ولكنّ الأهم إستراتيجيّا، إحباط سياسات الدمج والأسرلة، وتحفيز الذاكرة الوطنية والكفاحية، والتأكيد على جذر القضية وأصالتها، ووحدة الشعب، وفضح الوجه العنصري للعدو الإسرائيلي، وهذا له ما بعده. 4. التأكيد على أن الفلسطينيين يمكنهم بكفاحهم كسر حلقات الحصار المحيطة بهم وإبطال دعايات التطبيع وإرجاع القضية الفلسطينية إلى مكانتها المركزية العربية والإسلامية والدولية.

5. إثبات جدية المقاومة وصدقيتها ومثابرتها، وأنها في فوق المزايدة والابتزاز والتوظيف السياسي الضيق.

6. التمييز الواضح بين السياسات في الداخل الفلسطيني، فالناس اليوم تملك من الوعي مع هذه الجولة للتمييز بين الفرقاء وسياساتهم وتدرك أين المشكلة بالضبط.

7. تثبت المقاومة اليوم أنها الجبهة الوحيدة التي ظلت مشتعلة ضد الاحتلال بلا توقف منذ العام 2000 وحتى الآن، وأن الاحتلال عاجز عن فرض معادلة ردع على المقاومة في قطاع غزّة، ومقاومة كهذه هي ذخر إستراتيجي للأمة بحيث يفترض بكل الأحرار دعمها ومدها بكل أسباب القوة والاستمرار.

* الأمة: كيف للمقاومة المحاصرة حصارا محكما بتواطؤ من وكلاء الإرهاب الصهيوني في المنطقة أن تكسر قواعد الاشتباك ويصل مدى صواريخها إلى كل مناطق الاحتلال تقريبا؟ ما الدروس المستفادة أو ما يمكن أن تلهم به المقاومة؟

** ساري عرابي: معروف تمامًا أنّ المقاومة في قطاع غزّة تعمل في ظروف مستحيلة، فهي محاصرة جغرافيًّا من جميع الاتجاهات، وتعمل في جغرافيا ضيقة ومكشوفة تمامًا للعدو، ومرتبطة بحركة مسؤولة عن إدارة الناس، ولكنها تمكنت من مراكمة الخبرات والقدرات للأسباب التالية:

1. الصدقة والجدية والإيمان بالمشروع، فهي ليست مقاومة للاستعراض ولا للتوظيف السياسي.

2. الاستثمار في الكفاءات البشرية، فعديد من العقول الهندسية والعلمية جرى توظيفهم لصالح مشروع تطوير قدرات المقاومة.

3. الاستمرارية، فالمقاومة امتداد للمحاولات العسكرية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

4. توفير بيئة صالحة لأن تتحول لقاعدة للمقاومة، بسيطرة المقاومة على ساحة قطاع غزّة، ولولا الخذلان العربي لتمكنت هذه القاعدة من تحقيق إنجازات سياسة كبيرة في سياق المشروع التحرري.

5. الوحدة والتكاملية، فحماس تسمح لجميع الفصائل بالعمل والتطوير والتدريب والتسلح والاستعداد، ولا تحتكر الساحة.

6. الاستفادة قدر الإمكان من العقول المقتدرة علميًّا في الأمة، أفرادًا أو من خلال العلاقة مع بعض الدول.

7. الاعتماد على النفس بالتصنيع وتطوير القدرات، مع المحاولة المستمرة بتطوير العتاد بالتهريب من الخارج، وعملية التهريب باتت شبه مستحيلة مع إحكام الحصار.

* الأمة: كثيرون يتحدثون عن فلسطينيي الداخل وانخراطهم في المقاومة الشعبية بمظاهرات وغضب عارم فاجأ حتى قادة أجهزة الكيان الصهيوني، فهل يمكننا الحديث عن أن كل فلسطين تقاوم في هذه الجولة من الصراع؟

** ساري عرابي: سبق الحديث عن فلسطينيين الداخل (الـ 48)، يمكن القول بكل وضوح الآن إن سياسات الأسرلة والدمج وتفتيت المجتمعات العربية في الداخل ومحاولات سلخهم عن شعبهم وعن هويتهم الوطنية وعن تاريخهم الكفاحي قد فشلت، والمهم الآن الاستفادة من هذه الهبّة في تطوير أدوات مستمرة لمواجهة السياسات الإسرائيلية في الداخل وبناء مجتمع عصامي في الداخل، والمزيد من ربط أهالي الـ 48 بالقدس والمسجد الأقصى، وتطوير رؤية وطنية تتجاوز سياسات منظمة التحرير التي قزمت القضية الفلسطينية إلى سلطة في ظل الاحتلال همشت اللاجئين وتخلت عن فلسطينيين الداخل..

الآن، ثمة فرصة لبناء جبهة وطنية تعيد دمج كل الفلسطينيين في مشروع تحرري بحيث يقاوم الفلسطينيون كل في مكانه بحسب معطيات البيئة التي هو فيها.

* الأمة: ربما يقترب العدوان من نهايته، والحديث عن اقتحام بري كان دعاية صهيونية مضللة، على الأقل حتى الآن، فما الذي منع القيادة الصهيونية من التورط في توسيع جبهة الحرب بالتوغل؟

** ساري عرابي: العدوّ مرتبك، أولاً بسبب مفاجأة المقاومة له، التي بدأت قوية وقادرة وفاعلة ومؤثرة، فلم يتوقع العدوّ أن تكون ضربات المقاومة قوية وتستهدف عمقه في القدس وتل أبيب من البداية، وإنما توقع أن تكون رشقات محدودة وفي محيط القطاع، فعامل المفاجأة أربك العدوّ جدّا، بالإضافة إلى عامل تشتيت جهوده وقدراته بانخراط أهلنا في الـ 48 في المواجهة، فضلا عن انكساره في القدس، وظهور بدايات تفاعل وتعافي في الضفة الغربية. الأزمة السياسية المستعصية للعدوّ تجعله غير قادر على اتخاذ القرار الصحيح بالنسبة له، نظرا لهيمنة المزايدات السياسية على الوسط الحزبي الإسرائيلي، فلا يوجد أحد في الحكومة المؤقتة الإسرائيلية قادر على اتخاذ قرار بالانسحاب أو التقدم.

العدو يخشى الحرب البرية، أولاً لأنها مكلفة وباهظة، وقد جرّب المقاومة في الحرب البرية عام 2014 ويعلم تماما ما الذي يمكن أن يواجهه في الحرب البرية، وثانيا لأنه لا يملك رؤية للدقيقة التالية على الحرب البرية، إذ سيغرق في مستنقع الحرب، مع احتمالات أسر جنوده دون أن يكون لديه رؤية للخروج.

* الأمة: كل شيء انهار أمام أعين الإرهاب الصهيوني ووكلائه في المنطقة مع اشتعال الجولة الأخيرة من الصراع، ما دلالات هذا الانهيار؟

** ساري عرابي: أهم دلالات الانهيار، هو افتقاد العدوّ الصهيوني للعمق الإستراتيجي، فحركة محاصرة بممكنات محدودة، تمكنت من فرض حظر الطيران على الاحتلال، وتغيير خطوط الملاحة الجوية والبحرية له، وفرضت على أكثر من 70٪ من سكان الكيان على النزول للملاجئ.. فكيف لو كان هناك حرب تحرير عربية جادة وصادقة؟ أعتقد أن الهزائم العربية في أعوام 48 و67، لم تكن ناجمة عن قتال حقيقي، بل كانت مؤامرة وتسليما.. اليوم يثبت أن الكيان هش وضعيف، وأن معركة تحرير عربية يمكن أن تنجز أهدافها في وقت قياسي.

* الأمة: في كل جولة من الصراع، هناك جديد تفاجئ به المقاومة العالم، فما جديدها في هذه المعركة؟

** ساري عرابي: أظهرت المقاومة كثيرا.. من حيث العتاد، امتلاكها القدرة على تطوير أو إدخال سلاح قادر على ضرب العمق الصهيوني في أي نقطة في فلسطين المحتلة بصواريخ أكثر دقة وأكثر أثرا.. ونحن نعتقد أن الضربات الصاروخية للمقاومة كانت مؤذية جدا للاحتلال الذي فرض سياسة تعتيم إعلامي على الإعلام الصهيوني، وحاول جاهدا أن يخفي الأضرار المادية أو هلع جبهته الداخلية، ويمكن أن نضيف هنا تطوير المقاومة لطائرات مسيرة قادرة على تنفيذ مهمات عسكرية، كل هذا له دلالة مرة أخرى على جدية المقاومة ومثابرتها وعملها الدؤوب طوال السنوات الماضية.. وفي حال استمرت المواجهة، فقد تكشف المقاومة عن العديد مما يدل على حسن إعدادها وتدريبها وتخطيطها التكتيكي والإستراتيجي.

* الأمة: توقعاتكم لما هو قادم، مقاومة وصهيونيا

** ساري عرابي: على فداحة الخطب وشدة الألم وعظم الخسائر المادية والبشرية، هذه مواجهة مفصلية، سيكون لها أثرها المعنوي الهائل في فلسطين والمنطقة العربية. ستخرج منها المقاومة منتصرة والشعب أكثر التفافا حولها وإيمانا بها، وسنخرج قيادة مشروع التسوية خاسرة وقد فقدت ما تبقى لها من حضور شعبي، بينما صورة العدوّ مهتزة وأكثر ارتباكا وعجزا أمام الفلسطينيين.

قراءة 231 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 18 ماي 2021 09:53