الأربعاء, 26 ماي 2021 10:18

انقلاب على انقلاب في مالي..تسلط العسكر وعجز الساسة وفشل فرنسا مميز

كتب بواسطة :

بحسب بيان وقعه العقيد الرائد عاصمي غويتا، رئيس المجلس العسكري الذي أطاح بالرئيس المالي في أغسطس المالي، ونائب الرئيس في هيكل السلطة الذي تم وضعه في أعقاب ذلك لقيادة البلاد نحو العودة إلى "النظام الدستوري"، أطاح الجيش بالرئيس الانتقالي "باه نداو" ورئيس الوزراء مختار أواني.في بيانه الذي تلاه ضابط بالزي الرسمي صباحًا على شاشة التلفاز الوطني الذي توقفت برامجه لعدة أيام بسبب الإضراب الذي شلَ غالبية الخدمات العامة، العقيد الانقلابي، الذي يتولى الآن منصب رئيس الدولة، يتهم الرجلين بـ "النية المؤكدة للتخريب" و"انتهاك الميثاق الانتقالي"، ولأنه عقيد عسكري قوي، فهذا منحه حق التدقيق حول تشكيل الحكومة الجديدة التي أُعلن عنها مؤخرا، ولا سيما على مستوى وظائف الوزراء المسؤولين عن قضايا الدفاع والأمن.

والخلاف حول هذين الموقفين هو أساس هذا الانقلاب الجديد. فقد أعلن رئيس الوزراء الذي تم تجديده قبل عشرة أيام بعد استقالة أول فريق حكومي، يوم الاثنين الماضي، عن حكومة جديدة استُبعد منها عقيدان كانا يشغلان سابقًا وزارة الدفاع وشؤون قدامى المحاربين، ووزارة الأمن والإدارة الإقليمية: ساديو كامارا وموديبو كوني، والاثنان من المقرّبين من العقيد الانقلابي النافذ "عصيمي غويتا" الذي أراد الإبقاء عليهما في مكانهما.واقتاد العساكر الرئيس الانتقال ورئيس وزرائه وبعض المتعاونين معهم، إلى معسكر "كاتي" العسكري، بالقرب من باماكو ويُعدَ المركز التقليدي للانقلابات في مالي، وكانوا لا يزالون هناك حتى نهاية أمس الثلاثاء.كان الوضع متوتراً لبعض الوقت.

كانت الخلافات حول تشكيل الحكومة الجديدة عميقة حتى إن بعض العسكريين أرادوا المغادرة الكاملة لرئيس الوزراء مختار عوان. ويشرح الباحث والمحلل المالي الشاب "بوكار سانغاري"، قائلا إن إقالة الضابطين اللذين كانا يشغلان حقيبتي الدفاع والأمن العام في الحكومة الجديدة التي أعلنها رئيس الوزراء يوم الاثنين، عجَل بالتمزق. وبحسب قوله، أراد الجيش الفوز باللعبة بأي ثمن ، حتى لو كان ذلك يعني اللعب على سجلات ثانوية مثل الوضع الاجتماعي المضطرب، وقد أعلن الاتحاد الوطني لعمال مالي، UNTM عن إضراب جديد في منتصف الشهر الجاري، تم تعليقه أخيرًا مساء الثلاثاء في أعقاب الإطاحة بالرئيس ورئيس الوزراء الانتقالي. في بيانه الذي تلاه صباح الثلاثاء على شاشة التلفزيون ، أشار العقيد أسيمي غوتا أيضًا إلى هذا الوضع ، حتى لو لم يكن بالضرورة حاسمًا في قراره بفصل الرجلين.

ولا يمكن التصديق بوعد العقيد الرائد باحترام التقويم الانتخابي المفترض أن يقود البلاد نحو انتخاب برلمان جديد وتعيين رئيس مقبل لمجلس الوزراء. لاحقًا في عام 2022. الأزمة في مالي متعددة الأبعاد، والفشل متعدد الأبعاد أيضا، ونادرا ما حظي بلد ما بالدعم مثل مالي في السنوات الأخيرة، سواء من الناحية المالية أو من حيث الأمن. أرسلت الأمم المتحدة أكثر من 13000 جندي من قوات حفظ السلام هناك، وفرنسا لديها معظم 5100 جندي من قوة ""برخان هناك، وقد أنشأ الاتحاد الأوروبي "بعثة تدريب تابعة للاتحاد الأوروبي في مالي". وعلى الرغم من كل هذا الضخ العسكري، لا تزال مالي تخربها حرب متعددة الأوجه ضد الجماعات الجهادية وميليشيات الدفاع عن النفس وحركات التمرد وقوات النظام والتي تحصد الآلاف من الضحايا كل عام، وحكمها غارق في الكوارث نفسها التي كانت في ظل رئاسة "أمادو توماني توري" (2002-2012): سوء الإدارة والفساد والمحسوبية.والطبقة السياسية في مالي مسؤولة إلى حد كبير عن هذا الفشل الذريع، ولكن إذا كان هناك فشل، فهو فشل فرنسا أيضا، وفي هذا السياق قال موظف أوروبي مقيم في باماكو: "هنا، فإن فرنسا، من بين شركاء مالي الرئيسيين، هي التي تتولى القيادة، حيث تعتمد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير على تدبيرها، وهي تتبع بشكل أو بآخر الأولويات المحددة في باريس".

وبمجرد إطلاق عملية "سيرفال" العسكرية في يناير 2013، أعطت باريس أولوية للرئيس المؤقت ديونكوندا تراوري: تنظيم الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن. ومن أجل القيام بعملياتها العسكرية، ترى فرنسا أنها بحاجة إلى حكومة شرعية يمكن الاعتماد عليها، وهذا ليس هو الحال مع الحكومة الانتقالية الناتجة عن انقلاب مارس 2012. وبتدخل فرنسا، أصبح مُلزماً بقوة الظروف، لذلك شرع في العمل، تحت ضغط مستمر من الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، ووزير حكومته "لوران فابيوس"، ووزيرين الخ فيه ارجية والدفاع آنذاك. وبمجرد تحديد تاريخ الانتخابات الرئاسية في مالي، تختار فرنسا مفضلها من بين عدد كبير من المرشحين (28)، وكان هو "إبراهيم بوبكر كيتا"، الاشتراكي الذي تلقى تعليمه في فرنسا ويعرف هولاند منذ سنوات عديدة، واعتبرته باريس "مرشح الاستقرار". هذا في الوقت الذي ضاقت باريس ذرعا بزعيم تجمع القوى الوطنية (M5- RFP)، وهو تحالف معارض للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأئمة ورجال الأعمال، ويشير دبلوماسي من غرب إفريقيا في باماكو إلى أن "M5 تحظى بشعبية كبيرة". وزعيمها، الإمام ديكو، خطب مؤثر هاجم فساد الطبقة السياسية والتدخل الفرنسي السافر، وباريس لا تريد أن تراه يقول ما يريد عدد كبير من الماليين سماعه، ويُنظر إليه على أنه "الشيطان" في فرنسا.

وقد أثبتت فرنسا، التي ظلت حبيسة ووفية لمنطق الحرب لمدة سبع سنوات، على الرغم من التحذيرات العديدة، أنها غير قادرة على تغيير نهجها الأمني الخاص. وحتى لو شدد الدبلوماسيون الفرنسيون في خطاباتهم على التنمية والحكم الرشيد، فإن القضايا الأمنية ظلت أولوية قصوى.وما يجري في مالي هو نتيجة فشل عسكري ذريع وعجز الطبقة السياسية وتسلم فرنسا، المستعمرة السابقة، عسكري وتأثير من أطراف دولية، فالرئيس الانتقالي المالي، المُطاح به عسكريا، ضابط سامٍ سابق في القوات المسلحة، ونائبه: العقيد عاصيمي غويتا، يتحكم في القوة الخاصة للجيش المالي، وبالتالي في كل القوة النارية والوحدات الفعالة في الجيش، وبإشارة منه ذهب الرئيس الأسبق بابكر كيتا إلى التاريخ وبات الرئيس الانتقالي، باه انداو، ووزيره الأول، المختار وان، ووزير دفاعه الجديد، الجنرال سليمان دوكوري، ليلتهم رهن الاعتقال في معسكر كاتي...

وعليه، فملخص ما حدث في مالي: عسكري يأتي بعسكري، ثم يطيح به ويحتجزه في محبس عسكري.. فما الذي يريده نائب رئيس المجلس الانتقالي العقيد الانقلابي عاصيمي غويتا؟ هل هو استعادة السلطة؟ أم تقويم الوعود الانتقالية؟ وهل جاء خطابه ردا على رفض الرئيس الانتقالي "با انداو" الاستقالة من منصبه؟ فالأيام القادمة قد تحمل ساعات طويلة وشاقة من النقاش في باماكو، فإما أن يكون ما حدث انقلاب عسكري أو مشاورات ثقيلة وقسرية مع الرئيس والوزير الأول الانتقاليين بسبب تشكيلة الحكومة اليوم (التي أطاحب بضباط من العسكر)، لكن يبقى أن ما حدث أخيرا في مالي (وإن سماه بعض المراقبين تصحيحا عسكريا) حدث خارج إرادة باريس، وإن كان ليس ثمة عاقل يصدق وعود العسكر، ورأت فيه دوائر فرنسية ضربة موجعة لنفوذها ومصالحها...الإليزيه يخسر نفوذه، تدريجيا، في كثير من مستعمراته الإفريقية السابقة..

قراءة 145 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 26 ماي 2021 10:29