الثلاثاء, 01 جوان 2021 16:51

أعادت تقويم إستراتيجيتها... لماذا أعادت تركيا ضبط سياستها تجاه مصر؟ مميز

كتب بواسطة :

مهم جدا للعقل التخطيطي الاستشرافي التوليدي أن يستفيد من دروس وتجارب إدارة الصراعات في المنطقة للإنضاج والإثراء والمرونة وعمق الدراية والتدبير:

- في 5 و6 ماي 2021، زار نائب وزير الخارجية التركي القاهرة ، على رأس وفد من المسؤولين الأتراك للمشاركة في محادثات تقارب استكشافية مع نظرائهم المصريين. كانت الزيارة الأولى لكبار المسؤولين الحكوميين الأتراك إلى مصر منذ عام 2013، تتويجا لتواصل أنقرة الدبلوماسي مع مصر في ربيع عام 2021. إلى جانب أهداف تخفيف عزلة تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​واستبعادها من التحركات متعددة الجنسيات لتطوير احتياطيات الطاقة البحرية في المنطقة.

- يعكس تواصل أنقرة مع القاهرة إعادة تقويم أكبر لإستراتيجية تركيا، وهي المراجعة الثانية خلال أكثر عقد من الزمن (الأولى في فترة الربيع العربي 2011، والثانية بعد المحاولة الانقلابية في 2016).

- أدركت أنقرة أنه لتحقيق رؤيتها لتحويل تركيا إلى قوة إقليمية ذات امتداد تجاري عبر منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، يجب عليها إنهاء عدائها الإستراتيجي الذي دام ثماني سنوات مع القاهرة. - قد تجد أنقرة طريقة مؤقتة مع القاهرة، من خلال معالجة مخاوف مصر بشأن دعم تركيا للإخوان المسلمين على وجه الخصوص، من شأنها أن تسهل طموح تركيا في لعب دور رائد في التحولات التجارية الناشئة التي تربط شرق البحر المتوسط ​​وشبه الجزيرة العربية وعلى نطاق أوسع منطقة شرق إفريقيا.

- أدى التمزق في العلاقات بفعل المسار التصادمي بين أنقرة والقاهرة بعد الانقلاب العسكري الدموي في مصر عام 2013، إلى اتساع الانقسام الجغرافي السياسي. وردت مصر بتطوير تعاون اقتصادي وأمني ثلاثي مهم من الناحية الإستراتيجية مع اليونان وقبرص. في الوقت نفسه، دعمت القاهرة وأنقرة أطرافًا متصارعة في الحرب الأهلية الليبية.

- أدى اكتشاف حقل ظهر للغاز الطبيعي قبالة سواحل مصر عام 2015، وهو أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط​​، إلى ترسيخ الانقسام بين القاهرة وأنقرة، حيث ظهرت خطة لتجميع الغاز المصري والقبرصي و"الإسرائيلي"، واستخدام مرافق الإسالة المصرية، في تسويق غاز المنطقة بشكل فعال من حيث التكلفة إلى أوروبا.

- استبعد مخطط الغاز الطبيعي المسال في مصر تركيا من تسويق غاز شرق البحر المتوسط ​، مما قوض تطلع أنقرة إلى أن تصبح مركزا للطاقة في الشرق الأوسط وحوض بحر قزوين للوصول إلى أوروبا. كما اعترضت أنقرة على الاستبعاد المستمر للقبارصة الأتراك في النصف الشمالي من الجزيرة المقسمة عرقيا من تطوير الغاز الطبيعي البحري لقبرص على الرغم من كونهم المالكين الشرعيين للموارد الطبيعية لقبرص.

- عندما طورت مصر تنسيقا وثيقا مع اليونان وقبرص و"إسرائيل"، أصبحت تركيا مقيدة بشدة في قدرتها على الدفاع عن مصالحها من خلال جبهة مشتركة تتكون من منتجي الغاز الطبيعي في المنطقة واليونان. خلقت المواءمة مجموعة من الشراكات الأمنية المترابطة التي أصبحت مدعومة بشكل متزايد من إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، ولكل منها استثمارات اقتصادية كبيرة في غاز شرق البحر الأبيض المتوسط. ولم تجد تركيا أي وسيلة أخرى لمنع ما اعتبرته أنقرة جهدا متعدد الجنسيات للاحتواء.

- ردت تركيا بسلسلة من الأنشطة الدبلوماسية والتحركات البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.، ولكنها أدت إلى عكس ما ترجوه، وعملت هذه الإجراءات على دفع مصر واليونان وقبرص و"إسرائيل" نحو تعاون اقتصادي وأمني أوثق. تم إضفاء الطابع الرسمي على التعاون متعدد الأطراف في مجال الطاقة بين خصوم تركيا في شرق البحر المتوسط ​​مع افتتاح لمنتدى غاز شرق المتوسط ​​(EMGF)، وهي منظمة دولية لتطوير الغاز الطبيعي في المنطقة أسستها مصر واليونان وقبرص و"إسرائيل" والسلطة الفلسطينية والأردن وإيطاليا. وتم قبول فرنسا لاحقا عضو ا في EMGF ومقره القاهرة في مارس 2021 مع منح الولايات المتحدة صفة عضو مراقب دائم. لا تزال تركيا مستبعدة مما يسمى أوبك لغاز شرق المتوسط.

- عكست الدبلوماسية التركية للزوارق الحربية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​تحولا أكبر في السياسة بدأ في عام 2016 حيث اختارت تركيا "الدبلوماسية القسرية"، مع إعطاء الأولوية لاستخدام أدوات القوة الصلبة وتطوير القواعد الأمامية لتوسيع نفوذ تركيا في الخارج.

- شكّل تقليص النفوذ الإقليمي لمصر السيسي وحليفتها المقربة، الإمارات، أحد الأهداف الرئيسية لاستخدام تركيا للقوة الصلبة.

- في أبريل 2016، افتتحت تركيا قاعدة طارق بن زياد في قطر والتي تضم الآن 5000 عسكري تركي. بعد عام ونصف من افتتاح قاعدتها في قطر، افتتحت تركيا منشأة تدريب عسكرية واسعة النطاق في مقديشو في سبتمبر 2017. وأنشأت تركيا، بهذا، خطوط اتصالات بحرية تمتد من ساحلها المتوسطي عبر ممر البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، ومن القرن إلى قطر في الخليج من الأهمية بمكان لسير شراكة تركيا مع قطر، ويتطلع مكتب العمليات المشتركة من البحر المتوسط ​​إلى مقديشو، أيضا، توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي لتركيا في منطقة شرق إفريقيا.

- بعد شهرين من افتتاح تركيا لقاعدتها في مقديشو، حاولت أنقرة تحدي هيمنة مصر على البحر الأحمر من خلال الاستحواذ على ميناء سواكن السوداني في قلب الممر. في ديسمبر 2017، قام الرئيس أردوغان بزيارة تاريخية إلى السودان، وافق فيها السودان على تأجير ميناء سواكن لتركيا لمدة 99 عاما. ومع تنامي الوجود العسكري التركي في ليبيا وإنشاء قاعدة بحرية تركية في السودان، واجهت مصر احتمالا غير مستساغ من الناحية الإستراتيجية في مواجهة وجود القوة الصلبة التركية على حدودها الشرقية والجنوبية. ومع ذلك، تعطلت جهود تركيا لتأمين ميناء سواكن في السودان بسبب الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019، وقيام حكومة جديدة مدعومة ماليا من الإمارات والسعودية، وأدى الانقلاب العسكري في الخرطوم إلى تعزيز طموحات مصر الخاصة في أن تكون الحارس الجغرافي السياسي للممر الإقليمي بين أوروبا وأفريقيا عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، وبغيتها أن تصبح (مصر) مركزا لممر تجاري أوروبي إفريقي يصل إلى خط الاستواء.

- في أكتوبر 2020، اتبعت السودان قيادة الإمارات في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مما أضاف بُعدا إستراتيجيا للممر التجاري، زاد من تهميش نفوذ تركيا في السلسلة الجغرافية السياسية لشرق المتوسط ​​وشرق إفريقيا.

- واجهت أنقرة ضرورة حتمية لإعادة ضبط سياستها تجاه القاهرة، ولهذا شرعت في مبادرات دبلوماسية مع نظام السيسي في أوائل عام 2021، والتي أسفرت عن محادثات التقارب على مستوى رفيع في ماي 2021، وستعتمد قدرة تركيا على تحسين علاقتها مصر بشكل كبير على مدى تقليص أنقرة لنشاط الإخوان المسلمين في تركيا. ويمكن أن يؤدي تخفيف التوترات مع القاهرة على هذا الأساس أيضا إلى فتح الباب لأنقرة لتحسين علاقاتها مع حلفاء القاهرة. وسيؤدي تحقيق أنقرة لانفراج جغرافي سياسي مع مصر إلى عائد تجاري هائل لتركيا. ويمكن أن يكون التقارب مع مصر هو الطريق إلى صعود تركيا قوة اقتصادية مشتركة بين الأقاليم.

قراءة 76 مرات آخر تعديل في الخميس, 17 جوان 2021 10:35