الأربعاء, 25 أوت 2021 16:44

قطع استعراضي للعلاقات مميز

كتب بواسطة :

الأسوأ، هذه المرة، في توتر العلاقة بين المخزن المغربي والسلطة الفعلية عندنا هو دخول الكيان الصهيوني على خط الصراع الحدودي، الطويل الممتد المستنزف.

القصر في الرباط ذهب بعيدا في ارتباطه باليمين الصهيوني وتوثيق صلته بجيشه العدواني وجهازه الاستخباري الخارجي، الموساد، فما كان يُطبخ تحت الطاولة أيام الملك السابق، وفي الخفاء، أصبح يُدار علنا اليوم، والتقارير الإسرائيلية تكشف أن تل أبيب أسندت المخزن في حربه على جبهة البوليزاريو، ومكَنته من اقتناء تكنلوجيا التجسس على هواتف كبار ساسة وعساكر النظام عندنا لسنوات، في فضيحة مدوية زادت الوضع اشتعالا، ثم الدعم الدبلوماسي المكشوف الصريح لاستقلال منطقة القبائل من دون أي توضيح من القصر بما فُهم على أنه إسناد للمخزن للمجموعة الانفصالية المتمركزة في باريس..

المخزن اندفع بحماس، في الفترة الأخيرة، في ارتباطه بالكيان الصهيوني، واتخذه قوة إسناد في صراعه الحدودي مع الجزائر وحربه ضد البوليزاريو، ويحاول، منذ الفترة، التحرك المكثف لتعزيز موقفه الدولي وحشر الموقف الجزائري في الزاوية الضيقة، ولن يجد أقرب طريق إلى عقل وقلب الإدارة الأمريكية والتأثير في موقفها من الصحراء الغربية أفضل من "إسرائيل"، فهذا أمر مقلق، حقا، ولم يكن الكيان الصهيوني أكثر انخراطا في سياسات المغرب وإسناد جبهتها الحربية مما هو عليه اليوم، تدريبا على حرب العصابات وتجهيزا ودعما لوجستيا، وهذه سابقة تاريخية أجَجت المخاوف والهواجس، وليس الأمر مقصورا على تعزيز القدرات القتالية للمغرب في مواجهته لجبهة بوليزاريو، بل حتى التسلل إلى دعم الطموحات الانفصالية لمنظمة "الماك"، ومعروف علاقة زعيمه بالدوائر الصهيونية في باريس وغيرها، وهو ما ينسجم مع استفزازات المخزن ودعمه الدبلوماسي المعلن لخيار الانفصال، وكان هذا سقوطا أخلاقيا وسياسيا مدويا للقصر تجاوز حدود وإرث الصراع التاريخي. فالدوائر الصهيونية بعد توثيق التقارب والتطبيع مع القصر المغربي ألهبت المشاعر العدائية وأقحمها المخزن في قلب المعركة، وصار لها التأثير والنفوذ في موقف وسياسات القصر في الصراع الحدودي مع الجزائر.

ونظام الحكم عندنا، من جهته، غارق في مستنقع صراع العصب والأجهزة وبدا عاجزا أمام تراكم الأزمات وتزاحمها، لم يجد من مخرج لهذا التخبط والفوضى التي تحيط به من كل جانب إلا تسعير خط التصعيد الدبلوماسي والاستثمار في صناعة الأعداء بعيدا عن أي تحرك سياسي داخلي في اتجاه الاقتراب من الإرادة الشعبية والانفتاح على مطالب التغيير الممكن ولو تدريجيا، فكأنما هو الآن يسوق البلد المُثخن بجراح الكوارث والأزمات سوقا إلى مغامرات لينقذ حكمه ويغطي على مآسي الداخل. فالصراع الحدودي بينهما عبثيَ، وكلا الطرفين، المخزن والسلطة الفعلية، يستثمر في التصعيد والتصعيد المضاد لحسابات مرتبطة بأزمة الحكم الداخلية أكثر من أي اعتبار آخر، ولا علاقة لها بأي مصلحة شعبية ولا بمستقبل البلد السياسي والاقتصادي..

فالمخاوف من التمدد الصهيوني مشروعة بل واجبة، لكن ثمة مبالغات في الحديث عن "الزحف الصهيوني"، الخطر الصهيوني مبثوث لا يمكن إغفاله غير أنه ليس مسألة مركزية في قطع النظام علاقته بالمغرب، وإنما هي دوافع وحسابات داخلية (صراعات وتوريط وصوارف) أكثر منها خارجية، ثمَ هذه المخاوف لا تُعالج بالسياسات الاستعراضية الدعائية، لكن لا تُعالج بالسياسات الاستعراضية الدعائية، وإنما طريقها معلوم لمن يملك الإرادة السياسية: الانفتاح على الشعب ومطالبه، ورفع الأغلال عنه، والبحث عن مخرج حقيقي للشرعية المفقودة، وأما أن يكون صوت معارك الأجنحة والأجهزة هو الأعلى، ولا يتقدم عليها شيء، وهي التي ترسم السياسات وتصوغ المواقف، فما أبعد الحكم اليوم والسلطة الفعلية عن الشرعية والإرادة الشعبية. ثم هذه السلطة بلا رؤية ولا فكرة ولا إستراتيجية فاقدة لأهلية الحكم وإدارة الصراعات والأزمات، ولا تُؤتمن لا على مصلحة البلد ولا على أمنه القومي.

قراءة 114 مرات آخر تعديل في الأحد, 05 سبتمبر 2021 14:31