الجمعة, 07 جانفي 2022 11:48

ما الذي يحدث في كازاخستان.. الشارع في مواجهة الاستبداد أم صراع الوكلاء؟ مميز

كتب بواسطة :

تصاعدت التوترات في كازاخستان منذ سنوات، لكن لم يعتقد أحد أن احتجاجا لعشرات الأشخاص في مدينة زاناوزن الغربية في 2 يناير الجاري سيؤدي إلى مظاهرات حاشدة على مستوى البلاد، أطاحت برئيس الوزراء ودفعت المحتجين إلى اقتحام المباني الحكومية ونزع سلاح الشرطة والجنود. لكن مضاعفة أسعار الوقود في منطقة "جاناوزين" الكازاخية كانت مجرد حافز لليأس المتراكم الذي يشعر به الكازاخيون بعد سنوات من الفساد السلطوي، والظروف الاقتصادية السيئة في بلد غني بالموارد الطبيعية، وغياب انتخابات حرة ونزيهة. لقد سئم الناس في كازاخستان ونفد صبرهم من انتظار تحقيق وعود حكومتهم الاستبدادية التي لم يتم الوفاء بها والتشدق بالإصلاح الحقيقي. في مارس 2019، استقال رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف، الرئيس الأول والوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وسلم قيادة البلاد إلى صديقه وأحد أوفيائه منذ فترة طويلة: "قاسم زومارت توكاييف".

وكانت إحدى أولى خطوات "توكاييف" هي إعادة تسمية العاصمة، أستانا، إلى نور سلطان تكريما لنزارباييف، كما عين ابنة نزارباييف، داريغا، رئيسة لمجلس الشيوخ، ثاني أعلى منصب في البلاد. وقد أثارت هذه التحركات غضب كثير من الكازاخيين الذين ظنوا أن فترة حكم عائلة نزارباييف الطويلة قد انتهت، فإذا هم يعيشون تحت النظام القديم الجديد. وعلى الرغم من الوعود بإجراء تغييرات، إلا أن نزارباييف (الرئيس السابق) ظل القوة الرئيسية في السياسة الكازاخستانية بمنصبه القوي الجديد، مسؤولا لمجلس الأمن. وتم تمرير قانون جديد بشأن التجمعات العامة، حيث ألزم الموافقة المسبقة من السلطات على أي تجمعات، ولم تُمنح هذه الموافقة أبدًا للمجموعات التي تخطط للتظاهر ضد سياسات الحكومة. وبدلا من ذلك، بدأت السلطات الكازاخية في تنفيذ مداهمات استباقية على الناشطين ومنظمي التجمعات.

في غضون ذلك، لم يتم حل أي من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كان الناس يشكون منها. كما ارتفعت أسعار كل شيء تقريبًا في عام 2021، مما أثار أكبر عدد من الاحتجاجات والإضرابات العمالية في كازاخستان منذ أكثر من 20 عاما.عندما تنحى الرئيس السابق "نزارباييف"، ارتفعت التوقعات بأن كازاخستان ستشرع في حقبة جديدة يكون فيها للناس دور أكبر في السياسة وستتحسن حياتهم بشكل ملحوظ. لكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات، لم يحدث أي من ذلك في عهد خليفته "توكاييف، والنتيجة هي الوضع الحالي للاحتجاجات الجماهيرية المحبطة.

والاحتجاجات الحالية -بحجم غير مسبوق في كازاخستان- هي تعبير شعبي عن عدم الثقة في الحكم، ويبدو أن نصف الوعود والتنازلات الجزئية التي يقدمها المسؤولون للشعب الكازاخستاني لن تنجح في إسكاته. (في الصورة، متظاهرون يهدمون نصب تذكاري للرئيس السابق نور سلطان نزارباييف في تالديكورغان في جنوب كازاخستان). 

***

بعد التدخل العسكري في كازاخستان، ستكتسب روسيا قوة تفاوضية هائلة عند التفاوض على صفقات النفط والغاز الخاصة بها مع الصين. وستكتسب موسكو نفوذاً هائلاً على الاتحاد الأوروبي لأن 80٪ من إمدادات النفط من كازاخستان تذهب إلى أعضاء الاتحاد الأوروبي. ويُظهر بوتين أنه قادر على التعامل مع أزمتين (أوكرانيا وكازاخستان) في الوقت نفسه، وهو قادر على تفعيل القوة العسكرية الكافية للتدخل في دولتين، فليس لديه مجتمع أو إعلام ينتقده على هذا. كازاخستان مهمة لبوتين ولكن أوكرانيا أكثر أهمية. وإذا نظرنا إلى المكاسب، فمن المحتمل أن تكون الصين قد خسرت حليفا في مشروع "الحزام والطريق" العالمي.سيكون للعسكرة الروسية في كازاخستان عواقب وخيمة في سوق النفط والغاز العالمي، إذا استسلم توكاييف أخيرا.

على مدار العامين الماضيين، كانت روسيا تحاول السيطرة على مشتريات الصين من النفط والغاز من آسيا الوسطى. وقد حاولت روسيا تحاول القيام بذلك من خلال دفع كازاخستان للاتفاق على تعريفة قياسية إقليمية للاتحاد الاقتصادي الآسيوي على أسعار النفط والغاز، مما يمنح روسيا سيطرة على تحديد الأسعار على تجارة النفط والغاز بين الصين وآسيا الوسطى. وكان نزارباييف (أول رئيس لكازخستان منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي سنة 1991) وتوكاييف (الرئيس الحاليَ)، كلاهما، يعارض بشدة هذه الخطوة. ويُشار هنا إلى أن خُمس العملات المشفرة في العالم (وأبرزها البيتكوين) تم تعدينها في كازاخستان، وهذا بسبب أسعار الطاقة الرخيصة والقوانين المتساهلة في هذا الشأن، إذ بعد أن اتخذت الصين إجراءات صارمة ضد تعدين العملات الرقمية، تولت كازاخستان زمام الأمور.وبالنسبة إلى روسيا، يمنح هذا قوة تفاوضية هائلة عند التفاوض على صفقات النفط والغاز الخاصة بها مع الصين، ونفوذ كبير. وأما كازاخستان، فإن هذا يتم بمقايضة الاستقلال الاقتصادي، والذي لا يزال يعتمد على قدرة روسيا على التعامل مع الأسعار العالمية.

لكن في كل الأحوال، لا يوجد طرف أجنبي مؤثر لديه مصلحة كبيرة في أزمة طويلة الأمد في كازاخستان في الوقت الحالي. ستُبقي روسيا "قوات حفظ السلام" على الأرض مع حرصها على استتباب الوضع في أسرع وقت ممكن، في وقت تستعد فيه الصين للأولمبياد، وتتصدى تركيا لأزمة اقتصادية خطيرة. وتستعد الولايات المتحدة للمحادثات مع موسكو بشأن أوكرانيا وليس لها بصمة عسكرية في آسيا الوسطى بعد الخروج من أفغانستان. ويعتبر الاتحاد الأوروبي طرفا جغرافيا سياسيا غير ذي صلة في آسيا الوسطى على الرغم من المصالح الاقتصادية في كازاخستان. ولهذا، يتوقع بعض المراقبين أن تنتهي الأزمة قريبا.

واعتمادا على الأداء العسكري لروسيا للسيطرة على الأرض الميداني كازاخستان، ستعمل موسكو على تحسين موقعها الإقليمي ضد كل من الولايات المتحدة والصين. وسيرفع بوتين ثمن التدخل العسكري الروسي بناء على طلب الأنظمة الاستبدادية التي تسعى للبقاء في السلطة. بعد بشار الأسد ولوكاشينكو (رئيس بلاروسيا)، سيكون "توكاييف" الآن الزعيم التالي لحماية المصالح الروسية داخل بلاده وخارجه. ويبدو أن الأنظمة الإفريقية مفتونة باستعراض العضلات العسكرية لروسيا في أكثر من منطقة، وهناك من يتساءل: هل يمكن لروسيا أن تتحول إلى قوة مرتزقة عالمية؟وربما ترى أوكرانيا في التورط العسكري لروسيا في كازاخستان استراحة لها، ولكنه (التدخل العسكري) يمثل تحديا للصين، حيث يعمل بوتين على ترقية مكانة روسيا في آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية وسط تشعب النظام العالمي والتنافس الشديد بين أمريكا والصين.

قراءة 152 مرات