الإثنين, 13 جوان 2022 10:21

الدبلوماسية الإسبانية تفقد توازنها التقليدي بين المغرب والجزائر في أسوإ الأوقات مميز

كتب بواسطة :

مارست السياسة الخارجية الإسبانية، منذ عقود، عملية توازن صعبة بين المغرب والجزائر، الجارتين الأكثر أهمية بالنسبة إلى مدريد على الجانب الآخر من المضيق. إذا كان المغرب هو الشريك المفضل، فإن الجزائر هي الأولوية. إذا كان أحدهما ضروريا، فإن الآخر لا غنى عنه، هذه السياسة التي اعتمدتها إسبانيا على تباين يسير بين حكومة اليمين واليسار. في كل مرة تقترب خطوة من إحداها، يتم تعويضها بخطوة أخرى، حتى لا تثير الشك أو الغيرة. في بعض الأحيان، انحازت الحكومة الإسبانية إلى إحداهما أكثر من الأخرى (اقترب "أزنار" من الجزائر، غاضبا من المغرب، واقترب "ثاباتيرو" من الرباط، محاولا إعادة بناء العلاقات)، غير أن المؤسسة الحاكمة حاولت دائما العودة إلى نقطة التوازن.

لكن هذه المرة، فقدت هذه الدبلوماسية اتزانها ومالت الكفة إلى المخزن في موقف مُنحاز أثار غضب الأحزاب الداخلية وسخط السلطة في الجزائر، فكان التصادم لكن إلى حين، فقرار الجزائر بتعليق التجارة مع إسبانيا، وتجميد المدفوعات المصرفية لاستيراد السلع والخدمات، يعني الانتقال من الإجراءات ذات الطابع الرمزي والسياسي (الدعوة إلى التشاور مع السفير أو تعليق اتفاقية الصداقة لعام 2002) إلى التجميد الاقتصادي. إذ السلطة الجزائرية غاضبة مما سمته "منعطفًا غير مبرر" و"خيانة" من جانب إسبانيا في دعم الحكم الذاتي المغربي المُقترح للصحراء الغربية.

يتحدث مراقبون عن انهار التوازن في العلاقات، الذي تمكنت الحكومة الإسبانية من الحفاظ عليه بين جيرانها في الجنوب، وهذا في أسوإ الأوقات، فالرباط والجزائر تعيشان على شفا مواجهة، مع إغلاق خط أنابيب الغاز الذي يعبر المغرب، وحظر المجال الجوي الجزائري عن الرحلات الجوية المغربية، وفي هذه الحرب الباردة الجديدة في الصحراء، انحازت الحكومة الإسبانية الاشتراكية إلى أحد الطرفين في موقف صدم النظام في الجزائر، وكان ما كان، وتعرض رئيس الحكومة الإسبانية لانتقادات لاذعة في بلاده، لكن يبقى التساؤل: هل تكون هذه الضغوط كافية لتغيير سياساته؟

ويقول مراقبون إن أصعب شيء بالنسبة إلى الحكومة في مدريد، الآن، هو إعادة بناء الثقة، على الرغم من أن الاستخبارات الإسبانية نسَقت مع الجزائر عملية ترحيل العسكريين المعارضين، وأثارت لغطا وجدلا كبيرا داخل إسبانيا وفي المجلس الأوروبي لأنه جرى تنفيذها من دون مراعاة قوانين الهجرة واللجوء وفي جُنح الليل بعيدا عن الأضواء، واعتُبرت فضيحة سياسية وقانونية وما زالت هذه القضية محلَ متابعة حقوقية في إسبانيا. 

وقد أوردت التقارير الإعلامية أن إسبانيا هي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تواجه عقوبات من دولة إفريقية هي الجزائر، وملف الصحراء الغربية هو الذي فجَر هذا التصادم بين إسبانيا والجزائر، وأكثر العلاقات مع دول المنطقة يحددها الموقف من هذه القضية، فالسلطة ربطت مصير علاقاتها بجيرانها ومحيطها بالموقف من الصحراء الغربية.

وبحسب صحيفة "الباييس" الإسبانية، فإن الردَ الجزائري بشأن حظر التجارة مع إسبانيا يمثل خسارة 3 مليارات يورو للمملكة، ويؤدي إلى تعطيل الصادرات الإسبانية إلى الجزائر، وقد بلغت قيمة صادرات إسبانيا إلى الجزائر حوالي 2.23 مليار دولار في 2021، وتمثل حوالي نصف بالمئة من إجمالي الصادرات الإسبانية، فالتأثير محدود على الطرفي...وكلاهما يخسر تجاريا، وإسبانيا هي أحد أبرز الموردين الخمسة إلى الجزائر، ولكن لا أحد من المراقبين يتوقع أن يتأثر ضخ الغاز بالرد الجزائري، فعقود توريد الطاقة ليست معنية بأي تصدع في العلاقات، خاصة في خضم الحرب الروسية الأوكرانية ومعركة الطاقة التي تخوضها أوروبا لتقليل اعتمادها من الغاز الروسي، ولن تنهي الجزائر عقد الغاز المُوقع مع إسبانيا حتى سنوات قادمة، ولكن يمكنها طلب التفاوض على زيادة سعر الغاز. وأما ادعاء وزير الخارجية الإسباني بأن روسيا حرّضت الجزائر على اتخاذ إجراءات عقابية ضد الشركات الإسبانية، فهي فرضية لا يرى مراقبون أنها منطقية.

وثمة مسألة مهمة بالنسبة إلى السلطة في الجزائر تمنعها من الذهاب بعيدا في غضبها على الحكومة الإسبانية وهو مصالحها العائلية والتجارية الخاصة في إسبانيا، فأيَ إضرار بها يمسَ بالمصالح الشخصية للطبقة الحاكمة والدوائر المرتبطة بها.

قراءة 115 مرات آخر تعديل في السبت, 18 جوان 2022 07:45