الأحد, 26 جوان 2022 09:24

نهاية "الماكرونية"؟! مميز

كتب بواسطة :

ربما للمرة الأولى، وجد الرئيس الفرنسي ماكرون نفسه عاجزا عن الكلام. بعد هزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية، ظل الفتى المغرور، الذي كان يتفاخر بأن لديه إجابة لكل سؤال، صامتا لعدة أيام، لكن أصداء خسارته ترددت صدى في جميع أطراف النظام السياسي. سيتعين على الوزراء المعينين حديثا الاستقالة، وجُرد أصحاب المناصب الحزبية الكبيرة من سلطتهم، وأُلغي الاجتماع الحكومي الأسبوعي بعد فشل ماكرون في الحصول على أغلبية مطلقة في انتخابات الإعادة...يبدو أن البرلمان الفرنسي سيصاب بالشلل على مدى السنوات الخمس المقبلة، ومن المرجح أن تتعرض كتائب ماكرون السياسية لنيران القناصة السياسية من جانبي الممر..

طالما سبح فتى الإليزيه في فلك المشتري الضخم، وظن نفسه عملاقا لا ندَ له، ومن حوله أقزام، حتى أسس لنفسه مذهبا عُرف بـ"الماكرونية"، حلَق بعيدا في الفضاء لكن سرعان ما ارتطم بالحقائق والواقعية السياسية وهوى إلى الأرض...هذا مآل التفلسف والمثالية الماكرونية: السقوط من أعلى برج الخيال والفلسفة التجريدية والاستعلاء السياسي..وكان السقوط السياسي صعبا ومفاجئا لماكرون. أول رئيس يُعاد انتخابه منذ جاك شيراك في عام 2002، كان من المتوقع أن يكون لماكرون الحرية في القيام بكل ما يريد في فترته الثانية والأخيرة، ولكن تحطمت طموحاته بالتعثر في الانتخابات البرلمانية..

ومن الواضح أنه فقد الزخم...تراكمت في الأسابيع الأخيرة أخطاء ماكرون وأخطأ في الحسابات التي أدت إلى كارثة يوم الأحد الماضي في مقصورة الاقتراع.. لم تكشف النكسات عن نقاط ضعف نهج ماكرون في السياسة فحسب، بل إنها شككت أيضا في بقائه ذاته. مثلُ رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، قطع ماكرون الفجوة بين اليسار واليمين، قادما من اليسار، لكنه اعتنق الاقتصاد الليبرالي. ولفترة من الزمن، أوفت الصيغة بوعدها. كانت "الماكرونية" تدور حول الكفاءة، فقدمت نموذجا سياسيا جديدا، وتخلصت من الانقسامات الأيديولوجية التي عفا عليها الزمن في محاولة لإنجاز الأمور.

حقَق ماكرون بعض الإنجازات في ولايته الأولى. قام بتحرير قوانين العمل الفرنسية، وخفض معدل البطالة المرتفع في البلاد إلى أدنى مستوى له منذ 14 عاما، ويُنظر إليه على أنه تمكن من إدارة جائحة كوفيد 19 بكفاءة. لكنه قام بتهميش مراكز القوة السياسية في فرنسا، وفضل الولاء على الثقل السياسي، ووجد نفسه غير مؤهل لمواجهة التحديات المقبلة. حكومته الحالية عبارة عن مزيد من التكنوقراط الباهتين، الذين يفتقرون إلى النفوذ السياسي اللازم لحمايتهم وحمايته. لم يكن هذا معمولا به في بداية حكمه، فعندما وصل إلى السلطة في عام 2017، ضمَ ماكرون بعض الشخصيات الثقيلة من مختلف الأطياف في حكومته، مثل المحافظ إدوار فيليب، والوزير السابق فرانسوا بايرو والاشتراكي جان إيف لودريان.

يحتاج ماكرون الآن إلى حلفاء جدد، لكن نهجه العمودي في السلطة ممزوجا بالغطرسة والغرور الجارف تركه معزولا ومكشوفا، صحيح أن هذا النهج ليس خاصا بماكرون انفرد به عن سابقيه مشكلة، حيث غالبا ما يُشار إلى الرؤساء باسم "الملوك الجمهوريون"، إذ إن بناء الائتلاف والتسوية ليسا جزءا من البنية التحتية التي شكلت الأنظمة الرئاسية الأخيرة في فرنسا، لكن ماكرون زاد على سابقيه نرجسية سياسية استعلائية مُنفرَة.

وأهم ما يُستفاد، سياسيا، من خسارة ماكرون معركة البرلمان: في بداية عهده، كانت هناك رؤية حقيقية، كانت (الماكرونية، وغالبا ما تُعرف على أنها ما يريده ماكرون) جديدة، قدمت تجديدا سياسيا يتجاوز اليمين واليسار، لكن الرؤية اصطدمت بالعالم الحقيقي، وتسلل الملل والنمطية، لتفتقر "الماكرونية" في الفترة الأخيرة إلى الرؤية، وخصم هذا من رصيده كثيرا، فكانت الهزيمة، فإن لم تتجدد وتطور رؤيتك وأداءك لن ينتظر الآخرون نهوضك واستفاقتك ولن يرحموا ضعفك..إن لم تحافظ على الزخم نخر كيانك السياسي سوس التهاوي..البقاء في القمة له ضريبة، ربما أشد من ضريبة النجاح في البداية.

قراءة 134 مرات