الأحد, 26 جوان 2022 14:31

منعُ الإجهاض الفردي وتشجيع الجماعي مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

قضت المحكمة الأمريكية العليا بإلغاء حق للمرأة في الإجهاض، وهو إبطال لقرار اكتسبته المرأة بموجب قرار تاريخي صدر عام 1973، فكان هذا الإلغاء عود إلى ما كان معمولا به قبل السبعينات من القرن الماضي، والواقع أنّ كلّ الدول العظمى أو ما يعرف بالقوى الكبرى تتبنى حق المرأة في الإجهاض وعلى رأسهم الإدارات اللبرالية والقوى السياسية والاقتصادية المعبّرة عنها وخاصة الولايات المتّحدة الأمريكية وما شابها من القوى الغربية الأخرى (ألمانيا، فرنسا،...)، ولا تختلف عنها القوى السياسية والاقتصادية اليسارية الصرف وعلى رأسها الصين، ولا تبعد عنها من هذه الحيثية القوى اليسارية المحسّنة ورائدتاه الصين وروسيا، أو القوى السياسية والاقتصادية الاجتماعية القوية كالسويد والنرويج وفنلدا.

إنّ القوى الغربية بشقيها اللبرالي والاشتراكي لا يأبهون بقضية الإجهاض، وحرية المرأة مقدّمة عندهم على الجنين لأنّهم لا يعتبرونه إنسانا أو مشروع إنسان خلاف ما عليه نصوص الدين الإسلامي التي تمنع الإجهاض لأنّه من قبيل قتل النفس بغير حق. ومردّ هذا الأمر إلى رؤية الغربيين للإنسان والحياة، لهذا ليس مستبعدا أن يصدر عنهم هذا الرأي، وما المنع الجديد إلاّ نوع استعادة لفطرة ضيّعتها النظرة الشيئية للإنسان، إذ الفطرة تقضي بأن قتل مشروع ولد هو اغتيال للولد، والتساهل في شأنه تساهل في الحياة ومعاني الحياة. والفرق بين الرؤيتين الغربية والإسلامية للحياة بيّن، مجرّد التفكير في المقارنة بينهما يعدّ ميلا عن الفطرة السويّة.

نكبر هذه العودة إلى تحكيم العقل واستعادة الفطرة التي من شأنها أن تجعل الإنسان على الخطّة السويّة في العطف على مشروع الحياة فضلا عن الحياة بالفعل، فمسألة منع المرأة من الإجهاض تفكير سويّ في مستقبل الإنسانية وحياة الفرد قبل أن يخرج إلى عالم التحقّق في الخارج (الولادة)، إلاّ أنّ الموقف من الإجهاض في هذا المقام لا يمنعنا من التنبيه إلى دور القوى السياسية والاقتصادية العظمى في إجهاض كلّ محاولات التحرّر في البلاد الشرقية، إذ كان لهذه القوى اليد الطولى في منع كلّ جهود التأسيس الشرقي للاستقلال الحقيقي المؤسس للشراكة الشفافة في بناء العالم والحفاظ عليه.

الدول الكبرى تعامل غيرها وخاصة الدول الشرقية معاملة التابع الذيل، وتكاد أن تنزل تلك الدول منزلة المستعمرات التي يمنع عليها تقرير مصيرها السياسي وفق إرادة شعوبها، بل تتفنّن هذه القوى وخاصة الولايات المتّحدة الأمريكية في إجهاض كل محاولة تحررية حقيقية، فتطيل أمد أزمات البلاد الشرقية، وتنقلهم بألف حيلة وحيلة من استبداد "يتظاهر بأنّه عاقل" إلى استبداد مجنون، كلّ ذلك لجعل المتجمعات الشرقية تختار بين استبداد سيّء وآخر أسوأ فتحنُّ وتترحّم على سيئ لأنّ القوى العظمى نقلتهم منه إلى الأسوأ بكلّ المعايير، ثم تتباكى هذه القوى العظمى على الديمقراطية وحقوق الإنسان وهي التي على يديها أجهضت كلّ المحاولات الجادة لتأسيس مشروع شعبي سلمي سيّد تحميه الشعوب باختياراتها النابعة عن إرادتها المعبّر عنها بطريقة شفافة.

وتُعدَ القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكية رائدة إجهاض مشاريع التحرر الحقيقي لشعوب المنطقة الشرقية، وعلى يديها كانت إطالة أعمار كلّ السلط الاستبدادية السيّئة، وهي رائدة تجفيف كلّ منابع التميّز والاستقلال، وهي مصدر بلاء البلاد الشرقية على مرّ العصور، وهي تريد تفاهما مع الشرق بتغييب شعوبه وحرمانها من حقّها السنني في تقرير مصيره، فهي لا تؤمن بهذا الحق السنني للمجتمعات الشرقية، ولا يمكن أن تسمح بهذا الحق، لأنّها تريد الاستفراد بخيرات العالم   لها ولها فقط، ولا يحق لهذه الشعوب أن تمنع برامج إفقارها، كما لا يسمحون عمليا (الشاهد العملي أقوى من التصريحات الجوفاء التي ملأت بها الولايات المتّحدة الآفاق، التي تتباكى فيها على حقوق الإنسان الاجتماعية والسياسية)  لهذه الشعوب بإنجاز اختياراتها المنبثقة عن إرادتها الجماعية، ليس هذا فحسب، بل تمنعها من الإسهام الفعلي في استدرار خيرات العالم لكلّ الأسرة الإنسانية.

بناء على ما سلف، فإنّنا ننتظر أن تعمّم الصحوة الخاصة في الضمير الأمريكي (الغربي) الذي كان من نتائجها منع الإجهاض في المواليد النسبية، وتعميمها الذي يفرض توسيع استعادة الفطرة في الفضاءات الاجتماعية والسياسية والاختيارات الاقتصادية، فتمتنع القوى العظمى وخاصة الولايات المتّحدة عن التدخّل في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي للشعوب الشرقية فضلا عن أن تكون مجهضة لمحاولات التحرر وتأسيس دولة القانون الحقوق المنبثقة عن الإرادة الجماعية للمجتمعات الشرقية.

إجهاض الديمقراطية الناشئة في البلاد الشرقية وتمتين الصلة بالاستبداد  وتقويته على حساب الشعوب لا يقلّ شناعة عن منع "حق" المرأة في الإجهاض، لأنّ الأول إجهاض فردي والثاني إجهاض جماعي، لهذا كان الإجهاض الثاني أشنع من الأول بمراحل، لأنّ الثاني إجهاض (قتل لمشروع حياة) مولود سياسي شرقي قد اكتمل وأزفت ساعة ولادته، ينمو بحكم التجربة الواقعية ويكتمل بنيانه بالاحتكاك السياسي بين القوى السياسية المحلية والجهوية ثم الدولية، وهو أضمن مسلك لدفع المجتمعات الشرقية للإسهام في الخير الإنساني العام.

صحْوُ الضمير الغربي وقتي مَوْضعي لا يتعدى منع الإجهاض الفردي، ولكنّه لا يمكن أنْ يمتنع عن الإسهام في كلّ محاولات الإجهاض الجماعي للمشاريع السياسية الشرقية السلمية، لأنّ الإجهاض الجماعي لمشاريع الشرقيين اختيار إستراتيجي تتبناه  الغالبية الساحقة من القوى الغربية ولا تميل عنه مهما كلّفها من "تضحيات" بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتهويلات وتمويهات وخزعبلات تنشر هنا وهناك، وهو اختيار ثابت وقار بوصفه أهمّ وسيلة لمنع استقلال الشرقي وتأسيس قوى مؤثرة في العلاقات الدولية وفق ما يخدم الأسرة الإنسانية بجملة مكوّناتها، القوى الكبرى أنانية ثابتة على خدمة نفسها على حساب المجتمعات الشرقية، هذا ما ينبغي فهمه وتفسير السعي السياسي الغربي في البلاد الشرقية.

تكرّس الاختيارات السياسية الغربية للشرقيين الإجهاض الجماعي للسياسة في أوطانهم، ومنعهم من أي إسهام حقيقي له امتداد شعبي، وكلّ المحاولات الغربية في البلاد الشرقية  لم تزد عن كونها تقريب أنظمة حكم باستبعاد شعوب، وهذا لا أثر له على مستوى بعث التجنيد الجماعي للشعوب الشرقية في الخير الإنساني العام، بل ستزيد مساعي القوى العظمى وخاصة (و.م.أ)  لإجهاض المساعي السياسية الشرقية بغضا في البلاد الشرقية، وستزيدهم عزلة إلى عزلتهم التي هم عليها الآن، لهذا كانت شعبية  المتّحدة الأمريكية ضعيفة وهي الآن في أدرك دركاتها، وهو ما يدفع ساستها للتفكير الجدي في تحسين هذه الصورة، وخاصة في ظل صراعها الحالي مع روسيا  التي استعملت فيه (و.م.أ) الشعب الأوكراني ووطنه وقودا لحربها، وهي بهذه الصورة المهتزّة ينتظرها صراع طويل قوي متنوع وطويل الأمد  مع الصين. كتابتنا عن الصراع بين هذه القوى الكبرى ليس تفضيلا لبعضها على البعض الآخر، إذ لا فرق بينهم في تبني الإجهاض السياسي الجماعي لمشاريع الإصلاح السياسي السلمي في البلاد الشرقية، لأنّهم لا يؤمنون بحق الشرق في نظام سياسي شرقي أصيل.

قراءة 56 مرات آخر تعديل في الأحد, 26 جوان 2022 14:40