الإثنين, 18 جويلية 2022 21:29

بايدن وبوتين والطاقة والخليج وإيران.. مميز

كتب بواسطة :

- جاء بايدن إلى منطقة "الشرق الأوسط" ليُظهر بأن أمريكا لا تُخلي مكانها لروسيا والصين، وأنها لا تنوي التنازل عن نفوذها واسع في المنطقة، لكن أكثر همه أن ينجح في الدفع إلى تخفيض أسعار الطاقة، وهو الموضوع هو الأكثر إقلاقا للرأي العام الأمريكي.

- في الموضوع الأهم، أوضحت السعودية بأن ليس لديها القدرة على رفع الإنتاج فوق 13 مليون برميل (هم في هذه اللحظة ينتجون أعلى بقليل من 11 مليونا)، ويدور الحديث عن خطة مرتبة ستستمر حتى 2027. ليس متوقعا أن تصدر أوبيك قراراً بذلك قبل أوت القادم، وإذا كان هناك زيادة إنتاج في السعودية والخليج، فلن تأتي قبل سبتمبر القادم. ولكن حتى لو انخفضت الأسعار، مشكوك أن يحصل بايدن على الحظوة على ذلك، والحكم السعودي يميل إلى الامتناع عن منحه هذا "الإنجاز"، بسبب انصراف الإدارة الديمقراطية منذ الرئيس أوباما عن رعاية حكم سعود وحمايته، كما كان متفقا عليه منذ عقود في اتفاق غير مكتوب أساسه: نفط مقابل الحماية.

- في موضوع النفط، تجدر الإشارة إلى أنه في الأسابيع التي سبقت غزو روسيا لأوكرانيا وعلى الفور بعد فرض العقوبات الغربية الشديدة على تصدير الطاقة من روسيا، كان واضحا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن ثمة حاجة لتعويض فقدان النفط والغاز الروسي. ولأن إيران التي لها قدرة على إنتاج 2.5 مليون برميل يوميا تخضع للعقوبات، ولأن فنزويلا، الدولة التي لديها احتياطي النفط الأكبر في العالم، تخضع أيضا للعقوبات، فقد ولدت أسطورة "بايدن سيغفر لمحمد بن سلمان، وسيقبّل الخاتم الملكي، وستوافق السعودية على الفور على زيادة الإنتاج بصورة تعوض النفط الروسي بدرجة كبيرة النقص"، وعندما أعلن البيت الأبيض عن زيارة بايدن المخطط لها، سوَقوا لها في البداية بهذه الدعاية. وهذه فكرة تبدو منطقية كما يبدو، ولكثير من الأشخاص في واشنطن والدول الأوروبية قاموا بترديدها، لكن ثمة من دحض هذه الدعاية بحقيقتين: الأولى، أن ليس للسعودية قدرة كبيرة على إنتاج فائض على المدى القصير، والثانية أنها غير معنية بإنتاج كميات أكبر من النفط وخفض الأسعار.

- قبل أسبوعين تقريبا، تغيرت رواية زيارة بايدن، وبدأت الولايات المتحدة تدعي بأن الرئيس يأتي للدفع قدما بدمج إسرائيل في المنطقة وزيادة التعاون التكنولوجي العسكري بين إسرائيل ودول الخليج ورعاية أمريكية لنوع من الشراكة وآلية تنسيق إقليمية دفاعية ضد الاستخدام الواسع لإيران للطائرات المسيرة.

- من المهم الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بأزمة طاقة حقيقية، بل أزمة أسعار مؤقتة، لأنه لا يوجد في الحقيقة نقص نفط في العالم. وأما موضوع نفط السعودية وقدرتها على "إنتاج فائض"، فإن أيَ إنتاج نفط يتجاوز الكمية الحاليَة للإنتاج ويتجاوز الحصص الملزمة لمنظمة "أوبيك"، أصبح مشكوكا في دقة مثل هذه التقديرات، والأمر مرتبط بحسابات السياسة والجغرافية الإستراتيجية أكثر من أرقام البراميل.

- وأما بالنسبة إلى جميع مزاعم بايدن حول "شرق أوسط أكثر استقرارا وتكاملا، مع قيام الولايات المتحدة بدور قيادي حيوي"، فإن هذا التجاهل لمشاعر الناس وتجاهل حملات القمع وسياسة الغلق وكتم الأنفاس في السعودية، يؤكد للمرة الألف أن حديث الإدارة الأمريكية عن الديمقراطية مجرد ذر الرماد في العيون، وأن أمريكا لا ولن تصحيح سياساتها الفاشلة في المنطقة، فالمصدر الرئيسي للاستياء تجاه الولايات المتحدة هو دعمها لاستبداد الأنظمة القمعية ودفاعها الثابت عن الكيان الصهيوني الغاصب، وتقوية الأنظمة الاستبدادية مع تعزيز قدرتها على القمع ودمجها مع "إسرائيل" في محور الإرهاب الصهيوني.

- وإذ يحاول التحالف الصهيوني العربي الناشئ معالجة بعض مخاوف دول الخليج بشأن التمدد الإيراني، فمن غير المرجح أن يساعد في قلق بايدن المباشر: الحرب في أوكرانيا والضغط الاقتصادي الناجم عن الوقود وتكاليف الغذاء. ولم تساعد السعودية والإمارات و"إسرائيل"، حتى الآن، في السعي الأمريكي والأوروبي لوقف الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا.

- في ظل الإدارة الديمقراطية للرئيس السابق أوباما، مع بايدن نائبا للرئيس، قامت الولايات المتحدة بإعادة توجيه واسعة النطاق لسياستها الخارجية دون النظر في عواقبها. وكان من المفترض أن يعمل الاتفاق النووي مع إيران على نزع فتيل التهديدات ويعمل على تهدئة إيران، وربما لهذا، قدمت واشنطن العراق وسوريا قرابين، ودعمت إعادة انتخاب نوري المالكي الموالي لإيران في العراق وقوضت "الخط الأحمر" الخاص بها في سوريا، وتجنبت الإضرار بالكيماوي بشار الأسد. ولعل أحد أهداف سياسة الرئيس باراك أوباما، حينها، هو ترك الممالك الخليجية تواجه مصيرها، ورفع يدها عنها، تدريجيا، وأظهرت سياسته أن دول الخليج بحاجة إلى أمريكا أكثر مما احتاجتها الولايات المتحدة. وألقى السعوديون والإماراتيون باللوم على الولايات المتحدة لعدم بذل المزيد من الجهد لحماية الحرس القديم في مصر وألقوا باللوم على الأمريكيين في السماح بسقوط نظام مبارك. وردا على ذلك، الحكم الفعلي في السعودية والإمارات انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي في مصر وتمرد الجنرال خليفة حفتر في ليبيا.

- وجاء التحول الحاسم في علاقات الولايات المتحدة مع الخليج في عام 2015، أولا بتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، ولاحقا بالتدخل العسكري الروسي في سوريا. على عكس تردد أوباما في سوريا، فقد اندهشوا من التدخل الجريء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي حول الحرب لصالح الأسد. بدت الترسانة العسكرية الروسية هائلة، وفي السنوات التي تلت التدخل، تضاعفت مبيعات أسلحتها في المنطقة، وأصبحت شركات تصنيع الأسلحة الروسية منذ ذلك الحين مشاركا أساسيا في معرض ومؤتمر دبي الدولي للدفاع.

- والأكثر جاذبية كان أسلوب بوتين الحاكم. لاقت صورته القوية العارية الصدر صدى لدى القادة الإقليميين، واستحوذت حسمه عليهم. لقد دعموه دون قيود، ولم يرغبوا في فقدان الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية، لكنهم لم يرغبوا أيضا في الاعتماد على حليف كان دعمه مشروطا وخاضعا لتقلبات السياسة المحلية. الديمقراطيات ببساطة لا تصنع حلفاء موثوق بهم للديكتاتوريات، إذ إنهم دائما مُعرَضون لخطر العثور على ضمير، ولكن وجد المستبدون في بوتين الحليف العسكري الصارم، وكان أكبر انتصار لبوتين هو انتصارهم أيضا.

- وكان انتخاب دونالد ترامب هو الذي أعاد الولايات المتحدة إلى علاقتها التجارية مع الخليج، ولم يعد هناك حديث عن الحقوق أو الإصلاحات. لم يعد هناك حتى التظاهر بالمساءلة الديمقراطية. وبأسلوب استبدادي نموذجي، استخدم صهر ترامب الصهيوني الأرثوذوكسي جاريد كوشنر الموارد الأمريكية دون قيود مؤسسات الدولة لتنفيذ دبلوماسيته الشخصية مع تجاهل تام لجرائم الأنظمة الشريكة، وذه الدبلوماسية الشخصية تناسب حكام الخليج، ولم تعد العلاقة رهينة قيود السياسة الداخلية.

- لم تلق عودة أحد الديمقراطيين إلى البيت الأبيض (بايدن) استحسانا من جانب أي منهم. مثل أوباما، اعتبر بايدن الأنظمة الاستبدادية الخليجية يمكن الاستغناء عنها. وكما في عهد أوباما، رأت دول الخليج في روسيا حليفا أفضل والصين شريكا اقتصاديا أوثق من الولايات المتحدة في نظر قادة الخليج. ولكن الاجتياح الروسي لأوكرانيا قلب هذه المعادلة رأسا على عقب. لم يتوقع أحد أن تسير الحرب على هذا النحو من السوء كما حدث مع روسيا. الصورة التي لا تقهر التي سوقوا لها بعناية في سوريا تحطمت بسرعة في أوكرانيا. هناك، خسرت روسيا ما يقرب من ضعف عدد الرجال والآلات خلال 16 أسبوعا مما خسرته في 16 عاما من الحروب في أفغانستان وسوريا مجتمعين!.. لقد فشل نظام الدفاع الجوي "بانتسير" الذي روجوا له كثيرا في حماية نفسه من طائرات "بيرقدار" التي توفرها تركيا وصواريخ جافلين المقدمة من الولايات المتحدة.

- والضغط الذي فرضته الحرب في أوروبا على الاقتصاد العالمي هو تذكير بالأسباب التي جعلت كل إدارة أمريكية منذ إدارة فرانكلين روزفلت تهدف إلى إبقاء آل سعود في صفهم، إذ لا يمكن حتى لأكبر اقتصاد في العالم أن يستغني عن أكبر مورد للنفط في العالم. وربما تبين لمستشاري بايدن، أنه لإسكات البنادق الروسية في أوكرانيا، يتعين على الرئيس الأمريكي أن يعضَ الرصاصة في الخليج. وهذا بالطبع يمنح الإمارات والسعودية نفوذا، وليس لديهم سبب وجيه لمساعدة بايدن على تجنب الهزيمة الانتخابية، وأيَ حافز قد يقدمه بايدن، سيكونون قادرين على انتزاعه من زعيم جمهوري مستقبلي من دون أي إذلال.

- لكن حتى بعد زيارة بايدن للسعودية، لن يكون بن سلمان الصديق المفضل للإدارة الأمريكية، وإذ يوضح بايدن بأنه لن يتخلى عن المنطقة ويتركها لنشاطات روسيا والصين، فإنه يأمل الآن بأن السعودية وجاراتها ستصغي لطلبات أمريكا باهتمام أكبر، ولكن حتى إذا أصغت فليس بالضرورة أن تمتثل.السعودية الآن مرتبطة باتفاقات تجارية واستثمارات واسعة النطاق مع روسيا والصين، ولن تتبنى هي والإمارات سياسة فرض العقوبات على موسكو، أما في مصر فبدأ بناء المفاعل النووي الذي ستقيمه روسيا بتكلفة 25 مليار دولار تقريبا، والصين تسيطر على أجزاء كبيرة من المنطقة الصناعية الجديدة التي أقيمت على ضفاف قناة السويس، وشركات صينية تبني العاصمة الإدارية قرب القاهرة؛ وفي العراق يتوقع بناء نحو ألف مدرسة، وهو يجري مفاوضات متقدمة مع قطر حول تطوير حقل الغاز الأكبر في العالم، وشراء الغاز منه على أمد طويل.كل ذلك في وقت وقعت فيه الصين على اتفاق طويل المدى مع إيران، وقد تستثمر مئات مليارات الدولارات في البنى التحتية مقابل النفط السائل وموانئ بحرية في الخليج.

- بايدن يريد العودة إلى النادي الذي انسحب منه، وهو يحمل في يده اقتراحاً لتأسيس حلف دفاعي عربي إسرائيلي أمريكي ضد "تهديدات للمنطقة"، ولا يُتوقع له أي إنجاز، لأنه ولد غامضا مُبهما مُهلهلا. ولم تُقدم أي خطط عمل أو أيَ تفاصيل حول آلية تنسيق أو جداول زمنية لمواصلة النقاشات. بعض دول الخليج تستفيد من التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وحتى إنها أجرت معها مناورات عسكرية مشتركة، ولكن ثمة فجوة كبيرة بين التعاون الثنائي في مستوى محدود، وبين حلف يلزم الجميع بشن حرب إذا تمت مهاجمة إحداها.

- ومع كل هذا الجدل، تبقى الولايات المتحدة القوة الأكثر تأثيرا على اتجاهات الأحداث في العالم، ومن استعجل ضعفها وتراجعها فقد أساء التقدير، لكنها ليست متحمسة، كما كانت قبلُ، لمزيد تورط في قضايا المنطقة، تريد التخفف من أعبائها وتركت لحلفائها هامشا للمناورة وربما حتى التمرد، أحيانا، هي غير معنية الآن بالغرق في صراعات المنطقة لئلا تصرفها عن خصمها الإستراتيجي، الصين، وتريد احتواء مضاعفات الحرب الأوكرانية واستنزاف بوتين في مستنقع الحرب التي بدأها. ويبقى الرهان الأكبر لا على الشرق ولا الغرب، وإنما على صناعة قوة ذاتية متحررة من الوصاية والهيمنة، وهذا لم يتحقق إلى الآن في بلداننا تحت حكم أنظمة القهر والاستبداد.

قراءة 86 مرات آخر تعديل في الخميس, 21 جويلية 2022 13:55