الثلاثاء, 01 نوفمبر 2022 07:58

انتصار تاريخي.. ما دلالة عودة لولا داسيلفا إلى رئاسة البرازيل؟ مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

"حاولوا دفني حيا، وأنا الآن هنا لحكم البلاد.. في موقف صعب للغاية، لكنني متأكد من أنه بمساعدة الناس سنجد مخرجا ونستعيد السلام" - لولا داسيلفا..

أسفرت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في البرازيل، عن فوز الرئيس السابق لولا داسيلفا في مواجهة الرئيس الحالي بولسونارو. وتحمل هذه الانتخابات العديد من الدلالات السياسية، سواء على مستوى البرازيل أو في أمريكا اللاتيني إجمالا. إذ إن صعود لولا داسيلفا إلى الرئاسة مجددًا بعد أن قاد البلاد ما بين 2003 - 2010 أين حقّق نجاحات اقتصادية وسياسيّة مبهرة واستطاع تحقيق معدّلات نموّ كبيرة بالإضافة إلى برنامجه الناجح في محاربة الفقر جعلته أحد أكثر السياسيين شعبيّة خلال العقود الماضية، تمثّل هذه العودة فصلاً جديدًا من فصول الصراع بين اليمين واليسار، في بلد يشهد انقسامًا واستقطابًا اجتماعيًا وسياسيًا شديدًا، لعلّ أكبر دليل على ذلك هو النسبة المتقاربة بين لولا داسيلفا وبولسونارو في الانتخابات، إذ حاز "لولا" 50.9% من الأصوات (حوالي 60 مليون صوتًا) بينما فاز غريمه على 49.1% (حوالي 58 مليون صوتًا).

كما تأتي عودة "لولا" إلى السلطة بعد سنوات من الاضطرابات السياسية التي شهدتها البرازيل بعد مغادرته الرئاسة في سنة 2010. إذ كانت قد خلفته رفيقته في النضال الرئيسة السابقة، ديلما روسيف، التي اُعتُبر فوزها امتدادًا لخط "لولا" السياسي واستمرارًا لنهجه، لكن تحالف اليمين استطاع الإطاحة بها قبل نهاية عهدتها الرئاسية وعزلها من طرف البرلمان بحجّة قضايا فساد في سنة 2014؛ وهي الحادثة التي أثارت جدلاً كبيرًا وأسالت الكثير من الحبر بين من اعتبره انقلابًا صريحًا من طرف رجال الأعمال واليمين المحافظ الذي يحنّ إلى زمن الدكتاتورية العسكرية التي حكمت البرازيل في القرن الماضي؛ بينما يتّهمها اليمنيون بالتورط في قضايا فساد.

وفي سياق هذه الحرب السياسية المستعرة بين اليمين واليسار في البرازيل، وبعد عزل الرئيس ديلما روسيف من طرف البرلمان، جاء الدور على أيقونة اليسار، الرئيس لولا داسيلفا الذي أُدخل السجن هو الآخر في سنة 2018 لمدّة سنة ونصف بتهمة "الكسب غير المشروع"، لكنَ كثيرين اعتبروا هذه التّهم مجرد حيل من طرف خصومه السياسي لإبعاده عن المشهد، ليعود في سنة 2022 ويتحدّى الرئيس بولسونارو المحسوب على اليمين الشعبويّ، الذي يلقّب بـ"ترامب البرازيلي"، ويفوز في النهاية بالرئاسة.لكن اللافت للانتباه هو النسبة المتقاربة التي شهدتها هذه الانتخابات بين بولسونارو و"لولا"، فرغم انخفاض شعبية بولسونارو بسبب أسلوبه الشعبوي القمعي، وتعامله الكارثي مع جائحة كورونا، والواقع الاقتصادي المتردي الذي تشهده البرازيل إلاّ أنّه بقي يحظى بشعبية معتبرة.

ولعلّ أحد أهمّ أسباب هذه الشعبية التي يحوزها اليمين في البرازيل، إلى جانب سيطرته على المال والإعلام ودواليب الدولة العميقة، وجود نفور اجتماعي متزايد من تيّار اليسار الجديد الذي أضحى يركّز خطابه السياسي والإعلامي على قضايا مثل النسوية الجديدة والأقليات الجنسية والصوابية السياسية، مع تراجع خطاب العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والتوزيع العادل للثروة، وهي الملفات التي لطالما كانت في مقدّمة الخطاب اليساري، في المقابل فقد صدّر اليمين نفسه باعتباره المدافع عن الدين والكنيسة والأسرة والقيم التقليدية المحافظة التي لا تزال راسخة في أمريكا اللاتينية.

على مستوى أمريكا اللاتينية، فإن هذه نتائج هذه الانتخابات تأتي في سياق عودة قويّة لليسار، فإلى جانب البرازيل، فازت شخصيات محسوبة على اليسار في كل من المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وبوليفيا وبيرو، بالإضافة إلى هندوراس والشيلي، وبالتالي فإن القارة تشهد موجة يسارية جديدة مثل تلك التي شهدتها مطلع القرن الحالي بعد عقود من الدكتاتوريات العسكرية في السبعينات وثمانينات القرن الماضي.

ما الذي قد يعنيه فوز "لولا" بالنسبة للقضايا العربية؟ لا شك أنّ اليسار في أمريكا اللاتينية لطالما كان داعمًا بقوّة للقضية الفلسطينية، وقد ذكرت الصحافة الإسرائيلية أن الرئيس الشيلي الجديد جابرييل بوريتش قد تعمّد التأخّر في استقبال السفير الإسرائيلي أسبوعين كاملين بسبب اغتيال "إسرائيل" لشاب فلسطيني يبلغ 17 سنة، في رسالة مفادها أن حكومته تساند القضية الفلسطينية. إذ يُعتبر "لولا" مؤيدًا للقضية الفلسطينية وصديقًا للقائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كل هذه مؤشرات على أن الموقف الدولي بالنسبة للقضية الفلسطينية ليس أسير قرارات واشنطن وباقي العواصم الغربية المؤيدة لإسرائيل.

كما أن عودة "لولا" إلى السلطة بعد دخوله السجن و"محاولة دفنه حيًا" حسب تعبيره، تُعطي دروسًا ودلالات عميقة في النضال السياسي، إذ إن هذا الرجل الذي بلغ 77 سنة من العمر، والذي بدأ النضال النقابي في مصانع البرازيل منذ شبابه، لا يزال يؤمن بالمثابرة والكفاح والصمود وعدم الاستسلام، وهي القيم التي تفتقدها كثير من النخب في منطقتنا العربية.

قراءة 87 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 01 نوفمبر 2022 08:06