الخميس, 01 ديسمبر 2022 06:34

تهافت النموذج الصيني... التزاوج بين الحكم المُغلق والنجاح الاقتصادي مميز

كتب بواسطة :

- من المفترض أن تجري النقاشات الحاسمة حول السياسة والسلطة خلف ستار سميك وعازل للصوت. يجب ألا يتلقى الجمهور، ناهيك عن العالم الخارجي، شيئا أكثر من مجرد لمحة من مظهر السطح الأملس والهادئ لانغلاق السلطة، والهدف هنا، هو الإيحاء بوجود إجماع سلمي هادئ، وبعظمة سلطة القائد ومكانته، والحفاظ على القشرة اللامعة المتعمد إظهارها وتسويقها، مثل أي نظام استبدادي آخر.

- يُهدَد السعي وراء السيطرة والقبضة الحديدية النمو الاقتصادي للصين، المُنهك أصلا، هذا هو الاستنتاج الواضح الذي يمكن استخلاصه من المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني. بالنسبة للرئيس الصيني، شي جين بينغ، حقق المؤتمر نجاحا مذهلا: فقد حصل على فترة ثالثة غير مسبوقة قائدا للحزب الشيوعي الصيني وألغى أي مظهر من مظاهر المنافسة السياسية، لكن هذا لا يبشر بالخير بالنسبة للازدهار الصيني، إذ إن تزايد الاستبداد يرهق كاهل الاقتصاد المأزوم..

- تحولت الصين إلى الداخل في السنوات الثلاث الماضية ولم تعد المحرك الرئيسي للنمو العالمي. بعض هذا ناتج عن سياسة "شي" الصارمة المتعلقة بصفر كوفيد، والتي ترتبط به، بحيث لا يمكن انتقادها علنًا. لكن معظمها ينبع من مزيج "شي" المثير للأعصاب من العقيدة الماركسية اللينينية، التي تتعامل مع القطاع الخاص مركز قوة منافس، وتحوله إلى القومية الصينية العلنية، وهو ما أثار احتمالات الاصطدام مع الولايات المتحدة. وبهذا يفقد النظام الصيني جاذلبته للأجانب ولشعبه.

- كان الرئيس الصيني "شي" قد طهَر حزبه، من دون معارضة مسموعة، من بعض الشخصيات المعزولة من الذين يمكن تصور أنهم يتبنون سياسات وأسلوب حكم مختلف عن أسلوبه. وكان من بين هؤلاء الذين تم فصلهم بشكل غير رسمي، رئيس الوزراء لي كه تشيانغ، الذي كان يعتبر ذات مرة منافسا له في قيادة الصين.

- قبل أن تختتم الجلسة بالابتسامات المنثورة في كل مكان، واستعراض الإيمان الموحد بعظمة "شي"، حدث شيء غير متوقع ولا يزال محيرًا. فقد كان جالسًا على يسار "شي"، سلفه "هو جينتاو"، الرئيس الصيني الأسبق، البالغ من العمر 79 عاما)، وبينما كان أحد الرجال يجره من كتفه للخارج، تحدث "هو" ببضع كلمات إلى "شي"، الذي ظل صاما ويومئ برأسه، ثم تمكن "هو" من التوقف مرة أخرى لينقر على كتفه تلميذه، قبل أن يتم إبعاده عن الكاميرا، وأخرجوه من القاعة، تاركا مقعده شاغرا في الصف الأمامي...وثمة احتمال وارد بأن الرئيس السابق "هو"، الذي، وقد استغرق حكمه عشر سنوات من عام 2002 إلى تعيين "شي" رئيسا خلفا له في عام 2011، قد اختار هذه اللحظة للإعلان علنا عن خلافه مع إدارة الحزب في عهد "شي"، ورفضه لتركيز رهيب وخانق للسلطة في يد رجل واحد.

- كان "هو" يطمح إلى الدخول في حقبة جديدة من عمليات نقل السلطة المنتظمة والسلمية والمؤسسية في بلد لم يعرف مثل هذه التقاليد السياسية من قبل، وكان عهده هو العصر الذهبي للبلاد، مع نمو اقتصادي سريع جدا وخطوات هائلة في مستويات المعيشة لمعظم الصينيين. لم يكن "هو" ديمقراطيا، لكن الانتشار الواسع للإنترنت أتاح مساحة غير مألوفة من التعبير في البلاد.

- كانت أهم مبادرة سياسية لـ"هو" هي محاولة إضفاء الطابع المؤسسي على أسلوب حكم جماعي، أكثر مما عرفته الصين في أي وقت مضى، وعمل على تحقيق تمثيل متوازن في هيئات صنع القرار الأكثر أهمية في البلاد بين مختلف دوائر النفوذ، بما في ذلك جهاز الحزب والحكومة والمقاطعات والجيش. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن أسلوب "هو" الجماعي في الحكم كان مدفوعا بإرادة حقيقية، لكنه صنع مشاكل كبيرة له، إذ بدا في كثير من الأحيان، أنه لا يوجد أحد مسؤول، وأن الفساد انتشر على نطاق ينذر بالخطر.

- وأما الرئيس الحاليَ "شي"، فقد سعى بوضوح شديد إلى الذهاب أبعد ما يمكن في الاتجاه المعاكس، وجمع كل السلطات تقريبا بيده، وأحاط نفسه برجال مطيعين من الموالين له...وعاد بالحكم إلى أصل الأنظمة اللينينية، وتحولت أولوياته من مسائل الإرث الأيديولوجي أو حتى مستقبل الصين إلى إحباط صعود المنافسين وضمان استمراره السياسي.

- الدرس المستفاد هنا هو أن الأنظمة المنغلقة القمعية بطبيعتها غير مستقرة، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى أن الأقلية المسيطرة تحكم فوق القانون، وأحد أهم سمات أي مجتمع مستقر هو احترام قواعد انتقال السلطة، وفي مثل هذه الحالات والظروف المُظلمة غالبا ما تكون النهايات كارثية..سياسيا واقتصاديا..ثم إنه لا يمكن الاعتماد على الضعفاء للحفاظ على قوة الصعود، يمكنك ضمان الولاء وعدم المنافسة السياسية من اختيار من لا يملك رؤية ولا قوة شخصية ولكن لا يمكن الاعتماد عليهم لبناء مستقبل قوي.

- درس آخر وربما أهم، أن الذين كانوا يسوقون للنموذج الصيني في عهد "شي" من بني قومنا على إمكان الجمع بين النظام المستبد المغلق والتنمية والازدهار الاقتصادي انكشف ادعاؤهم وهم يرون انكفاء الصعود الصيني وتباطؤ النمو بسبب عودة هيمنة قبضة الحزب وحكم الفرد وسياسات الغلق بما يقوض مستقبل تأثير الصين وقوته التنافسية...

قراءة 91 مرات آخر تعديل في الأحد, 04 ديسمبر 2022 09:04