الثلاثاء, 10 جانفي 2023 18:10

"لعبة" تركيا الكبرى في البحر المتوسط مميز

كتب بواسطة :

أسلوب تركيا ومنطقها في إدارة الصراعات والمعارك يستحق الاهتمام، وكذا سعيها الدائم إلى كسب مناطق نفوذ خدمة لمصالحها القومية، فهي كثيرة الحركة، وعقلها التخطيطي نشط باستمرار، ونسجت شبكة علاقات واسعة وممتدة، تجمع بين الخصومة والتودد في آن، وتلعب على أكثر من حبل، وتقفز من مركب إلى آخر، ولا تتعامل بنفس واحد، ولا تُخضع سياساتها للأمزجة والأهواء، وإنما حسابات وتحولات وانعطافة في كل فترة زمنية، بمرونة فائقة وبراعة سياسية أذهلت كثيرا من المراقبين الغربيين...

هذا الحديث على سبيل الإجمال، فثمة ما تعاتب عليه تركيا وما صدمت به جمهورها، ومنها تراجعها عن كثير من المواقف الإقليمية، مثل العودة التدريجية للعلاقة مع نظام الأسد الإجرامي، واستئناف التعامل مع الكيان الصهيوني بعد سنوات من النفور والجمود، والتضييق على المعارضين المصريين بعد الانفتاح الأخير على نظام السيسي، وإيغال وتطرف في تبني السياسة "البراغماتية"...لكن إذا حُسبت هذه التحولات بحساب المصلحة القومية لتركيا وقيست بمقياس لعبة الأمم، فلعلهم يرون أنهم منسجمون مع مصالح بلدهم..

- من جهة، يدير أردوغان علاقات تحكمها ثنائية التودد - التوتر مع موسكو، سواء باعتباره حليفا لروسيا أم لأوكرانيا، فهو ينظم "اتفاقية القمح"، ويوفر منطقة عبور الأهم للاستيراد غير المسموح به من المنتجات الغربية. الربح الأكبر الذي يمكن أن يجنيه هو بناء ممر عظيم بحجم هائل للغاز الطبيعي في القسم الأوروبي من تركيا...ومنه الغاز الروسي الذي يضخ في أنابيب BlueStreem وTurkStreem، سينقل إلى أوروبا الجنوبية وكذا إلى النمسا وألمانيا.

- في أثناء الزيارة الأخيرة إلى تركيا التي قام بها مدير عام شركة "غازفروم" الروسية، الكيسيه ميلر، قيس حجم استيعاب الأنبوب بـ 60 مليار متر مكعب في السنة. معنى ذلك أنه من حيث الطاقة الكامنة، فإن حجم الغاز الذي يمر عبر تركيا كفيل بأن يصل إلى 115 مليار متر مكعب في السنة. عندما نأخذ بالحسبان تطلع تركيا لأن تصبح أحد المشترين الأكبر للنفط الروسي كي تبيعه لأوروبا كمنتجات نفطية لا تقع تحت العقوبات، حينئذ سيصبح أردوغان الوكيل الرئيس لمقدرات الطاقة الروسية في السنة القادمة (إذا فاز في انتخابات الرئاسة). وهذا الكسب الإستراتيجي يمكن أن يؤدي إلى تزايد ملحوظ لنفوذ تركيا الجغرافي السياسي.

- ومن جهة أخرى، يلعب الأتراك "لعبة كبرى" في وسط آسيا وفي شرق البحر المتوسط: أولا، يبدو أن أنقرة تقف خلف إفشال "حلف الغاز الثلاثي" الذي اقترحه بوتين على كازخستان وأذربيجان، فبالشراكة مع أذربيجان وجورجيا، تتطلع تركيا إلى زيادة قدرة المسارات عابرة للقوقاز...

ثانيا: جنحت تركيا إلى التهدئة في علاقاتها مع خصومها ورؤوس الثورات المضادة، إذ اقتربت، في الفترة الأخيرة، من مصر و"إسرائيل" لكسر تحالف الغاز الثلاثي مع اليونان في شرق المتوسط، وكسرت الجمود بينها وبين السعودية والإمارات لاعتبارات اقتصادية وجلبا للاستثمارات.

ثالثا، تعول السلطات التركية على حقول النفط والغاز المحتملة أمام شواطئها الجنوبية وأمام الشاطئ الشمالي لقبرص، حيث تحاول أنقرة بدء التنقيب منذ 2019.

رابعا، تجدد الآن علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل"، وتتطلع أنقرة للعمل مع حكومة الاحتلال ولبنان في إنتاج الغاز الطبيعي من الحقول الكبرى أمام الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط إلى أوروبا. والحقيقة أنه من الصعب على تركيا تحقيق تطلعاتها، لكن يبدو أن أنقرة تراهن على التحول إلى مورد غاز كبير إلى أوروبا. إذا حصل هذا، سيعود الاتحاد الأوروبي لتلقي توريد الغاز من "الجار القريب"، وأما المنتجون الأمريكيون والخليجيون، فيتوجهون إلى أمم آسيا وإلى طوق المحيط الهادئ.

- بينما تبدو روسيا قوة متآكلة ومهانة بإخفاقاتها في أوكرانيا، تمضي تركيا في مسارها التصاعدي، باعتبارها واحدة من أهم القوى المؤثرة في منطقة "الشرق الأوسط" متجاوزة النمط التقليدي في إدارة الصراعات ومعتمدة على ما تملكه من مزايا وأوراق ضغط.

- "تركيا الجديدة" تختلف عن القديمة، لأن الرئيس أردوغان نجح في فصل البلد عن أي راع أو وسيط والتحرر من أي وصاية، وتدبير سياسة خارجية أكثر استقلالية، وتركيا اليوم تحمي مصالحها بأي ثمن وتطالب بعلاقات احترام واعتماد متبادل مع كل المحاور وفي كل مرحلة..ولكن الواقعية السياسية لا يمكن أن تكون رديفا للتحلَل من الحد الأدنى من المبادئ والمواقف الكبرى التي يفترض أن تحكم الدول والكيانات السياسية، بدعوى البراغماتية أو "البراعة" في إدارة الصراعات، كما حصل مع استئناف العلاقات مع نظام الأسد والكيان الإسرائيلي.

قراءة 76 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 11 جانفي 2023 10:31