الأربعاء, 30 أكتوير 2019 19:50

"ثورة شعبية" عابرة للمذهبية غير مسبوقة: نظام سياسي فاسد جوهر مشاكل لبنان

كتب بواسطة :

بعد ما يقرب من أسبوعين من الاحتجاجات (13 بوما تحديدا) في جميع أنحاء البلاد، حقق المتظاهرون في لبنان مكسبهم الأول، وصفقوا له في بيروت، ففي 29 أكتوبر، قال رئيس الوزراء سعد الحريري إنه وصل إلى "طريق مسدود" في محاولة للتعامل مع مطالبهم بشأن الفساد والاقتصاد الراكد. حزمة من الإصلاحات الضئيلة، التي أُعلنت في 21 أكتوبر، لم ترض أحداً. لذا، أوضح الحريري أنه سيتنحى مع حكومته.

في بيروت، العاصمة، كما هو الحال في طرابلس، أكبر مدينة سنية في الشمال، وفي صور والنبطية، المجتمعات الجنوبية التي تقطنها أغلبية شيعية، تخرج مظاهرات حاشدة كل يوم، تندد بعدم قدرة الحكومة لضمان حسن سير الخدمات الأساسية ووقف تدهور الظروف المعيشية للسكان.

فما إن اقترحت الحكومة في منتصف شهر أكتوبر فرض الضرائب على المكالمات التي تتم عبر WhatsApp، وهي خدمة مراسلة، انفجر الغضب العام. انضم ما يصل إلى مليون شخص إلى الاحتجاجات، في بلد يقلَ عدد سكانه عن 5 ملايين شخصا. من المستبعد أن تقنع رحيل الحريري المتظاهرين بإنهاء حركتهم الاحتجاجية.وفي هذا، كتبت مجلة "إيكونوميست" البريطانية أنه يوجد نظام سياسي فاسد في قلب مشاكل لبنان. الاتفاقية التي أنهت الحرب الأهلية في البلاد عام 1990 أسفرت عن ترتيب طائفي لتقاسم السلطة لا يزال ساريًا حتى اليوم. إذ تُقسم المناصب الحكومية ووظائف القطاع العام بين السنة والشيعة والمسيحيين بغض النظر عن الأهلية والجدارة.

لا يزال أمراء الحرب السابقين يحتكرون عقود الحكومة. يخشى كثيرون من أن تؤدي استقالته إلى تفاقم التوترات الطائفية، فميشال عون لا يزال رئيسًا، ونبيه بري رئيس البرلمان.كلا الرجلين متحالف مع أقوى صناع القرار في لبنان، حسن نصر الله، الذي يقود حزب الله، يُحمَله كثيرون مسؤولية الأزمة، واستقالة الحريري تجعله أكثر مواجهة للغضب الشعبي.

ولكن بدلاً من التوصل إلى حلول، ندَد نصر الله بالاحتجاجات باعتبارها مؤامرة إسرائيلية وأمريكية. ولكن، وفقا لتقديرات مراقبين، يبدو حزب الله في زاوية ضيقة، فإما أن يقبل حكومة بلا وزير الخارجية، "جبران باسيل"، لخوفه من الفراغ السياسي، وهذا يعني تخليه عن الحلفاء، أو أن يتظاهر بالدفاع عن العملية السياسية الفاسدة التي يريد الشارع إسقاطها، وبذلك يكون "حزب الله" في مواجهة الشارع.

وقبل يوم واحد من استقالة الحريري، قال رياض سلامة، محافظ البنك المركزي، إن لبنان بحاجة إلى حل سياسي لتجنب الانهيار الاقتصادي، أغلقت البنوك لأكثر من أسبوع، وتقول المجلة البريطانية إنه على الرغم من الاستفزازات، خاصة اعتداءات اليوم، وإن كنت ليست الأولى ولكنها الأكبر، من أصحاب "القمصان السود" التابعين لحركة أمل وحزب الله، ظلت المتظاهرين، وإن لم تعترف بها أحزابهم، تظل الحركة الاحتجاجية، حتى الآن، سلمية بشكل ملحوظ وغير طائفية، ولا يمكن لهؤلاء المهاجمين والمعتدين أن يتحركوا إلا بأمر من القيادات.وفي 27 أكتوبر، شكل مئات الآلاف من الأشخاص سلسلة بشرية تمتد من صيدا في الجنوب إلى عكار في الشمال، ولكنها (حركة الاحتجاجات) بلا قيادة وتفتقر إلى أهداف واضحة. يريد بعضهم برلمانًا بلا قوائم طائفية، كما هو المعمول به حاليَا، يُنتخب النواب بشكل فردي، ويخشى آخرون من أنه بالنظر إلى التفوق العددي للشيعة، فإن مثل هذه الإصلاحات من شأنها، ببساطة، أن ترسخ حزب الله في السلطة.

وفي الوقت نفسه، أصبح المتظاهرون متعبين وأكثر قلقًا بشأن سلامتهم، حسب أحد المنظمين. وفي مواجهة احتمال تولي حزب الله الحكومة، قد يفضل بعضهم التمسك بالطبقة السياسية. والقوى الغربية قد تكون مقتنعة بإصدار قروض طويلة الأجل. ومع ذلك، لن يحل ذلك أي مشاكل هيكلية في لبنان.ومن أهم ما أنتجته ثورة لبنان، وفقا لناشطين سياسيين ومراقبين، هو وعي جمعي لدى الناس صمد أمام جميع محاولات ومناورات السياسيين لاحتواء الثورة والالتفاف عليها حتى تحقيق المطالب. ورأوا أن استقالة الحريري هي مجرد البداية والفساد لا ينتهي برحيل رموز السلطة التنفيذية فقط، وإنما باستبدال السلطة التشريعية بأخرى تمثل الإرادة الشعبية الفعلية وانتخاب رئيس جمهورية نظيف يمهد لتكليف رئيس حكومة من الكفاءات.

والطبقة السياسية القديمة، خاصة من أصحاب النفوذ والتأثير الكبير، وأبرزهم حزب الله، تعادي أي تغيير يهدد مصالحها ونفوذها وهيمنتها وتضخمها، لهذا تقلقهم كثيرا الثورة الشعبية ولازمة المتظاهرين للساحات والميادين، وتبقى هذه الطبقة هي أكبر معطل وعائق أمام تحقيق الثورة الشعبية لمطالبها وتحقيق نهوض البلد وتخلصه من سيطرة أمراء الحرب السابقين، لكن يتحدث مراقبون أن ما "نراه اليوم، من ثورة شعبية عابرة للإيديولوجيات والمذهبيات والسياسات، لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان"، وهذا الذي مكَن الثورة الواعية من الصمود والتصميم، وربما حسم الشعب، بعمومه، خياراته.

قراءة 292 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 30 أكتوير 2019 20:24