الأربعاء, 06 نوفمبر 2019 16:36

عرش "ماكرون" ترنّح ولم يسقط، وربما الأصعب ما زال في انتظاره مميز

كتب بواسطة :

تساءل كثيرون عن خفوت الغضب الشعبي وتراجع احتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا، فالإعلام المهيمن أصرَ على نعي الحركة الشعبية، وراهن على الانقسامات داخلها، مُدَعيا تجاوب جزء منهم مع مقترحات الرئيس إيمانويل ماكرون. لكن وعود الرئيس الفرنسي ليست سوى ذرّ الرماد في العيون، وشعبيته تتراجع في الإحصاءات، والغضب الشعبي في تصاعد.

وقد تعرضت حركة "السترات الصفراء" منذ انطلاقتها إلى حملة أيديولوجية دعائية مُوجهة لتشويه طبيعتها وتسويغ تجاهل مطالبها الرئيسية عبر اتهامها بـ"الشعبوية" (ومحاولة ربطها باليمين المتطرف)، وهي تهمة تصدرها، دائما، النخب الليبرالية التي ترى أن السياسة اختصاص حصري لـ"النخب".وهنا، يتحدث متابعون أن أنصار اليمين المتطرف شاركوا، فعلا، في الاحتجاجات، وأن أهم تنظيماته السياسية، "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبن، أيد مطلبها الأول، وهو إلغاء الضريبة على الوقود، إلا أنه عزف عن دعم مطلبها الأساسي الآخر، وهو رفع الحد الأدنى للأجور، التي كانت لوبن قد عارضته بوضوح في الحملة الانتخابية الرئاسية وفي تصريحات تلتها. وتحسين القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، الذي يمر حكماً برفع الحد للأجور بين إجراءات أخرى، هو الهدف المركزي للحركة الاحتجاجية الحالية.

وهذا ما خلصت إليه دراسة هامة صادرة عن مركز "اميل دوركهايم"، شارك فيها سبعون باحثاً وأستاذاً جامعياً ونشرتها صحيفة "لو موند" في الحادي عشر من هذا الشهر، وخلصت إلى أن الدافعين الأساسيين للمشاركين في الاحتجاجات هما "المطالبة بالمزيد من العدالة الاجتماعية وإنصات السلطة لمطالب الشعب وتطلعاته. ولكن الأهم من كل ذلك: هل أفلت ماكرون، ومعه النظام السلطوي الليبرالي الذي أرساه على حساب الطبقة الوسطى والفقراء، من الحساب الحقيقي؟

وفي هذا، رأى مراقبون أن عرش ماكرون ترنّح ولم يسقط، وربما الأصعب ما زال في انتظاره، وأن الشارع سيضع، عاجلا أو آجلا، حدا لسياساته القائمة على تحطيم "الأنموذج الاجتماعي الفرنسي"...

والمُلاحظ أن الدعاية الحكومية لم تقتصر على محاولة ربط تراجع أعداد المحتجين بوعود "ماكرون"، وفقط، بل تجاوزت ذلك أيضا إلى الترويج بأن "وقت الاحتجاج انتهى، وعلى (السترات الصفر) الانخراط في الحوار الوطني الموسع الذي تحضر له الحكومة".

واللافت، كما أشار محللون، أن وزير الداخلية، كريستوف كاستانير، بدا مُنسجما مع هذه المزاعم، وعاد لتشديد نبرته تجاه المحتجين، وهدد بتحرير مفترقات الطرق من المعتصمين، لكنه وقع في فخ الانطباع الواهم، وبدا مُتحمسا لانطفاء جذوة حركة "السترات الصفراء"، وذلك يناقض تقديرات الأجهزة الأمنية، إذ ترجح أن ما يحدث "تغيير على صعيد الشكل لا المضمون، حيث قد يغيّر الحراك أنماط الاحتجاج المعتمدة، لكن ذلك لا يعني اختفاء تراجع مخزون الغضب الشعبي على المدى المنظور".

وهنا، أوضح عالم الاجتماع الفرنسي، ميشال فيز، أن "انتكاسة الجولة الخامسة من الاحتجاجات لا تعني نهاية حراك السترات الصفراء"، ومشيرا إلى أن "تراجع أعداد المحتجين ليس بالأمر بالجديد، فالجولة الرابعة من الاحتجاجات، التي اعتُبرت الأكثر قوة وتأثيراً، لأنها كانت بمثابة الجولة الحاسمة التي اضطرت الرئيس الماكرون إلى تقديم تنازلات، بعد أن ظل طيلة ثلاثة أسابيع يرفض أي تغيير في توجهه السياسي، إلا أنها سجّلت تراجعاً في أعداد المحتجين، حيث لم تستقطب سوى 126 ألف متظاهر، مقابل 290 ألفاً خلال جولة الاحتجاج الأولى، يوم 17 نوفمبر الماضي"..

وعلى هذا، يتوقع أن تشهد حركة الاحتجاجات "تحولات في بنيته التنظيمية، وفي أنماط الاحتجاج المستعملة، لكنه مرشح لأن يعمر طويلاً على الساحة السياسية وعلى جبهة النضال الاجتماعية في فرنسا"، على الرغم من تباين المواقف داخل الحركة الاحتجاجية، بين من يميل إلى "هدنة مؤقتة" مع اقتراب "أعياد "الميلاد"، ومن يطالب باستمرار التظاهر الشعبي حتى الحسم النهائي.

وربما بدأت هذه التحولات، التي تحدث عنها عالم الاجتماع الفرنسي، تظهر، فكلا الطرفين يرى بضرورة "هيكلة" الحركة الاحتجاجية، حتى إن يعضهم شرع في هذا المسار بإطلاق "دفاتر مطلبية" شعبية، شبيهة بما حدث قبل ثورة 1789، لتكون بمثابة البرنامج المطلبي للحركة الشعبية، في وقت دعا فيه بعضهم إلى "جلسات تأسيسية" لانتخاب مندوبين رسميين للحراك، وربما ترشيح عدد منهم في الانتخابات الأوروبية التي ستجرى في جوان المقبل.

قراءة 253 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 06 نوفمبر 2019 16:46