الأربعاء, 13 نوفمبر 2019 08:20

انقلاب "سي آي إيه" على "موراليس" في بوليفيا: أجهزة الدولة معادية للتغيير الشعبي مميز

كتب بواسطة :

تشبهنا كثيرا...أمريكا اللاتينية..في توغل الأوليغارشية، في قوى السيطرة المهيمنة..في ثورات الانعتاق من الديكتاتوريات العسكرية وسياسات "النيوليبرالية"...في الانقلاب على الخيار الشعبي. في بوليفيا اليوم، كما في مصر مرسي بالأمس، كما في الجزائر، الأمس والغد..يتأكد أن أجهزة الدولة هي أكبر معاد لحركة التغيير الشعبي...لأنها بُنيت أصلا معادية للشعب..

أشرف إيفو موراليس، أول رئيس أصلي في بلد يمثل السكان الأصليون غالبيته، على تحول اقتصادي منذ فترة ولايته الأولى، ويتمتع بشعبية كبيرة حتى يومنا هذا.مُنع في البداية من الترشح لفترة ولاية أخرى من خلال إغلاق الفترات، وسعى لاستفتاء لإلغاء حدود المدة، لكنه هُزم بفارق ضئيل. ومع ذلك، قضت المحكمة العليا بأن غلق المدة غير دستوري، لذلك سمح له بالترشح مرة أخرى.وجرت الانتخابات في 20 أكتوبر.

للفوز في هذه الجولة الأولى، يحتاج المرشح إلى الحصول على 50٪ على الأقل من الأصوات، أو 40٪ والفوز بنسبة 10 نقاط مئوية على أعلى مرشح بعده. كانت السلطة الانتخابية تحت ضغط كبير، وعند فرز 95.63٪ من أوراق التصويت، أبلغت عن تقدم موراليس بنسبة 46.86٪ مقابل 36.72٪ لخصمه "ميسا"، وهذا يزيد قليلاً عن 10 نقاط مئوية عتبة الفوز، التي ينص عليها قانون للانتخابات...ليتهموا على الفور "موراليس" بالاحتيال.

وما حدث في بوليفيا لا يمكن وصفه إلا بالانقلاب على رئيس منتخب، ففي خلال دقائق معدودة يتصدر الخبر وسائل الإعلام الغربية للاحتفاء به على أنه "إعادة الاعتبار للديمقراطية"!. وقد كتب السيناتور الأميركي السابق، مايك غرافل، ساخرا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" لتورطها في انقلاب "بوليفيا"، إذ كتب في تغريدة: "تهانينا على فوزكم بالسلطة في بوليفيا".

قصة ما يجري في بوليفيا أيضاً بسيطة، كما أحد المحللين: انتخابات، قفزة في نتائج الانتخابات بسبب آليتها لصعوبات لوجستية، طالما أن قاعدة الرئيس من الأرياف. فيُصرخ: تزوير. تصطف الشرطة وجزء من الجسد العسكري مع "المعارضة". يستقيل الرئيس مفضلاً السلم الأهلي.

وأشار محللون إلى أن ست ديكتاتوريات عسكرية يمينية، الأرجتين وبوليفيا، والبرازيل وتشيلي، وبارغواي واروغواي. تعاهدت واتفقت على قمع الحركات المعارضة اليسارية ضد السياسات الاقتصادية النيوليبراليةوقصة أمريكا اللاتينية مع عصابة النهب الداخلية المرتبطة بعصابة النهب العالمية. والأوليغارشية المحلية مستعدة لإفساد البلاد والعباد وشعوب أصلية تقاوم هذه الأوليغارشية وتتراوح الأحداث تحت ظل هذا العنوان.

هذا العنوان هو الحاكم على أمريكا اللاتينية منذ قدوم الرجل الأبيض بحثاً عن الذهب والفضة، والأرض أيضا. تغيرات مواد البحث عبر السنين، إلا أن سلوك عصابة النهب ما زال مستمرا منذ تلك اللحظة.

ونقلت تقديرات صحفية أن الأيام الأخيرة من حكم الرئيس البوليفي المستقيل، إيفو موراليس، حملت سلسلة من الطعنات والانقلابات الداخلية التي بدأت بتمرّد الأجهزة الأمنية المخوّلة حفظ الأمن الداخلي، ليس في التخلي عن مهامها في مكافحة أعمال الشغب، وفقط، بل راح عددٌ من الضباط يدير عمليات السطو وإحراق المؤسّسات العامة والاعتداء على الناس الذين لم ينصاعوا لميليشيات "اللجان الأهلية" التي شكّلتها المعارضة، وأدارت عبرها عمليات الفوضى.

ولم تنتهِ الفوضى باستقالة الرئيس ومغادرته إلى مسقط رأسه في مدينة كوتشابمبا، بل استمرّت في ملاحقة المقرّبين منه وسلب ممتلكاتهم وإحراق بيوتهم. كذلك، نفّذت ميليشيات اليمين المتطرف، بغطاء من الجيش البوليفي، عمليات اعتقال عشوائية، أُوقفت إثرها رئيسة المحكمة العليا لشؤون الانتخابات، ماريا أوجينيا شوكي، التي ظهرت على شاشات التلفاز مكبّلة اليدين.

وتحدث مطلعون أن الإشارات الأولى إلى الانقلاب العسكري في بوليفيا بدت واضحة يوم السبت الماضي، حين أكّد مقرّبون من الرئيس البرليفي توجّسه من الطريقة التي يتعاطى بها المجلس العسكري. سارع "موراليس"، صباح الأحد، إلى الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة، وتعيين هيئة قضائية شفافة تشرف على عملية الاقتراع.

لكنّ العرض جاء متأخراً، بعدما كانت اجتماعات السفارة الأميركية في لاباز قد أنهت صفقة قاتلة انضمّ إليها قائد الجيش وليامز كاليمان، ليظهر الأخير بعد ساعات قليلة من المبادرة الرئاسية ليعلن دعوة الجيش إلى استقالة موراليس كي "يجنّب البلاد الفوضى والاقتتال"، حسب زعمه. وما فشلت واشنطن في تحقيقه في فنزويلا، استطاعت بلوغه في بوليفيا.

الأسباب نفسها التي دفعتها إلى تنظيم الانقلابات ضد الحكومات الوطنية في أميركا الوسطى واللاتينية، منذ أواسط القرن الماضي، تُفسّر ما فعلته بالتعاون مع حلفائها المحليين بحق الرئيس البوليفي، إيفو موراليس. لم يسامَح موراليس، كما مَن سبقه من قادة وطنيين، لسعيه في استعادة سيادة بلاده على مواردها وثرواتها واستخدامها لمصلحة شعوبه..

وهكذا نجح الانقلاب العسكري، لكن إلى حين، إذ ما يقلق واشنطن أكثر من مواقف التنديد هي شخصية إيفو موراليس، وانحداره من الطبقات الفقيرة التي تشكّل غالبية البوليفيين، فلا يحتاج الرجل إلى وقت طويل كي يعيد إنتاج ثورة مضادّة، وهو الذي أرفق استقالته بوعد صريح بأنّه سيعود وسيقود إنقاذ البلاد مع المخلّصين والشرفاء، لترجع بوليفيا، بهذا، 14 عاماً إلى الوراء، حين بدأت الطبقة الثرية بإعداد العدّة للتغيير الجذري في البلاد برعاية كاملة من الولايات المتحدة، فيما بدا أن ثمة خللاً واضحاً في فهم الطبقات الشعبية لحقيقة الأحداث.

فالطبقات الفقيرة التي ينتمي إليها "موراليس"، كما رأى مراقبون، وقعت ضحية حملات إعلامية تمتدّ على سنوات حكم الأخير، جعلتها إزاء الرجل الذي تفانى في خدمتها، وعادى من أجلها تكتّلات المال والنفوذ، تقف متفرّجة على سقوط "عهد الفقراء"، بل ويحتفل جزء منها بما ظنّه فرصة أخرى لحياة أفضل، متناسياً أن اليمين ورأسمالييه في أميركا اللاتينية لا يؤمنون بأدنى حقوق البسطاء، وأن سياسات الدولة وإمكانياتها يجب أن تُسخَّر للشركات الكبرى وحيتان المال والأعمال.

لكن أخطر ما في الأمر، أن عودة اليمين المتطرّف بعد عقد ونصف العقد من العزلة تبدو أكثر دموية ووحشية، إذ ستشكّل الأيام المقبلة فرصة للانتقام الجماعي والمزيد من الإفقار والتجويع.

وما يمكن قوله في مسألة التدخل الأمريكي، إن ثمة ترابطا زمنيا بين تغيير الأولويات الإستراتيجية الأميركية والتحولات في أميركا اللاتينية اليوم. الأولويتان الإستراتيجيتان لإدارة ترامب هما التصدي لصعود الصين، واستعادة السيطرة على "الحديقة الخلفية" ومنع تغلغل بكين وموسكو فيها. لم تتردد فنزويلا ولا بوليفيا موراليس ولا برازيل لولا وديلما في نسج الشراكات وحتى التحالفات مع المنافسين الدوليين لواشنطن، وهذا أبرز ما يثير جنون الولايات المتحدة.  

وكما كتب الباحث والسياسي الروسي، ألكسندر دوغين، في مقاله الأخير عن الأحداث في بوليفيا: بغض النظر عن مدى سوء حكم المناهضين للاستعمار، الانقلاب الموالي للولايات المتحدة أو السياسيين المؤيدين لهم، هم الأسوأ دائماً، حرية سيئة هي دائماً أفضل من عبودية جيدة.

قراءة 912 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 13 نوفمبر 2019 18:39