الإثنين, 23 ديسمبر 2019 08:24

مخلفات عهود الدكتاتورية العسكرية: سقوط صاحب "الشوَاية" مميز

كتب بواسطة : بقلم: محمد أبو الغيط / كاتب ومدون مصري

آن لرحلة هرب "الشَّوَّاء" أن تنتهي.. يوم الاثنين الماضي، شهدت الأرجنتين حدثاً تاريخياً، بعد تسلمها ماريو ساندوفال من فرنسا، وهو أحد أبرز ضباط الأمن السياسي المتهمين بجرائم تعذيب في عهد الدكتاتورية العسكرية. اكتسب هذا الرجل لقبه من شهرته الخاصة في تعذيب المعتقلين بالصعق الكهربائي، بينما هم مربوطون في أسرّة حديدية. وللمفارقة، تُعرف إحدى ممارسات التعذيب في العالم العربي بالاسم نفسه: "الشوّاية". تشابهت اللعنات علينا!

غادر ساندوفال الأرجنتين إلى فرنسا عام 1985. وللمفارقة، عاش ساندوفال حياة هادئة تليق بمواطن صالح، إلى حد أنه أصبح أستاذاً في جامعة السوربون العريقة في معهد دراسات أميركا اللاتينية (IHEAL)، وحصل على الجنسية الفرنسية. مرة أخرى تتكرّر القاعدة: الأشرار والسفاحون لا يبدون كذلك بالضرورة، وساندوفال كان مهذّباً وقوراً كما يليق بأكاديمي مرموق!

وعلى الرغم من أن الادّعاء الأرجنتيني يشتبه بأن ساندوفال متورّط بأكثر من خمسمائة عملية إخفاء قسري وقتل وتعذيب، إلا أن قضية واحدة هي التي أمكن توثيقها إلى حد توفر أدلة كافية للقضاء الفرنسي، بعد معركة قانونية استغرقت ثمانية أشهر، وهي قضية الطالب الأرجنتيني هرنان أبرياتا.

في أكتوبر 1976، تم اختطاف طالب كلية الهندسة أبرياتا، واختفى إلى الأبد. تم توثيق شهادات تربط بين الضابط ساندوفال واختطاف الطالب الذي ثبت اعتقاله في مدرسة تدريب تابعة للبحرية الأرجنتينية في بيونس أيريس، والتي يُعرف اليوم أن نحو خمسة آلاف شخص تعرّضوا للسجن والتعذيب داخلها بعد الانقلاب العسكري في السبعينيات. لا يُعرف أي شيء عن مكان جثة أبرياتا، ولكن الدكتاتورية العسكرية الأرجنتينية كانت مميزة للغاية باستخدام أسلوب إلقاء المعتقلين مقيّدين من الطائرات في المحيط، علماً أن عدد المختفين يقدّر بنحو ثلاثين ألف شخص.من المرعب تخيل أن جثة أبرياتا توزّعت في أمعاء أسماك ربما أكلها لاحقاً بشر آخرون..

بعد أكثر من أربعة عقود، وبعدما أصبح عمر الضابط ساندوفال 66 عاماً، احتفلت والدة أبرياتا، البالغة اليوم 92 عاماً، بأنها تشهد أخيراً لحظة مثول ساندوفال أمام العدالة.بشكل عام، شهدت أميركا اللاتينية عدة قصص شبيهة في السنوات القليلة الماضية، من أبرزها الأحكام التي صدرت في تشيلي العام الماضي ضد تسعة ضباط سابقين بتهمة التورّط في تعذيب الشاعر والمغني فيكتور جارا عام 1973.

و"جارا" واحد من آلاف اعتُقلوا في ملعب الكرة في العاصمة ولاحقاً أُعدموا، في عهد بينوشيه الذي توفي بدوره مريضاً طاعناً عام 2006 بعدما شهد بداية مسار قضائي داخل بلاده ضده، على خلفية تهم بإخفاء عشرة أشخاص وقتلهم.

ثمّة دروس سياسية مطولة من تجارب أميركا اللاتينية، حيث أنظمة حكم عسكري عاتية مدعومة من الولايات المتحدة كسد ضد الشيوعية في عصر الحرب الباردة. وفي النهاية، سقطت بسيناريوهات مختلفة، لكنها للمفارقة أقل دراميةً من الثورات الملونة في أوروبا الشرقية، أو ثورات الربيع العربي، بل كانت أقرب إلى حلول تفاوضية إصلاحية، وهذا سر التأخر البالغ في فتح ملفات المحاسبات.بعد هزيمتهم في حرب الفوكلاند، وتصاعد ضغوط المعارضة (وتضحياتها أيضاً) تخلى عسكر الأرجنتين، أخيراً، عن الحكم نظير حصانة مدى الحياة، وهو نفسه سيناريو إجبار بينوشيه على قبول نتيجة الاستفتاء الرافض تمديد حكمه في مقابل حصانة سياسية أبدية.

وفعلا، عاش العديد من أعتى المجرمين حتى نهاية حياتهم أبطالاً مكرمين. ولكن لاحقا، حال نجاح الدول بترسيخ الديمقراطية عبر عقود، وبفعل تقادم الزمن ما ينتج أجيالاً جديدة طامحة، تسقط قوانين الحصانة أمام مطالبات العدالة.

ويحدث ذلك على الرغم من أن الصورة ليست مثالية، فالمد اليميني لم يستثنِ أميركا اللاتينية بدورها، فضلاً عن إشكاليات السلطويات اليسارية على الطراز الستاليني، مثل مادورو في فنزويلا.

وبقدر ما يفيد التفكير العقلاني والنقدي في سقف الممكن والواقعي بالأدوات السياسية، من المفيد أيضاً تأمل الرسائل المعنوية العامة. السياسة كالدنيا تدور ولا تستقر على حال. ومن يطمع في ربح كل شيء قد يخسر كل شيء، وينطبق هذا على كل الأطراف. "ما ضاع حق وراءه مُطالب" ليست مجرد شعار مستهلك، بل واقع يتحقق.

قراءة 126 مرات آخر تعديل في الإثنين, 23 ديسمبر 2019 08:35