الأربعاء, 18 مارس 2020 07:45

قرار غلق المساجد..من أعقد مشكلات الفتوى تمدد سلطة الدولة الحديثة لتتدخل في كل شيء مميز

كتب بواسطة : بقلم: محمد إلهامي / كاتب وباحث مصري

إحدى أعقد مشكلات الفتوى في عصرنا هذا هو تمدد سلطة الدولة الحديثة لتتدخل في كل شيء، بما جعل كل شيء في حياتنا محكوما بقرار سياسي، ومنه هذه المسألة "مسألة إغلاق المساجد وتعطيل الجمع والجماعات". حتى الآن ليس لدي موقف من هذه الفتوى، أتفهم اختلاف الفقهاء فيها ودوافع كل منهم (مع ازدرائي لخوض الخائضين فيها بلا عُدَّةٍ من فقه، أو بِعُدَّةٍ من التهجم العقلي المحض)..

لكن القرار اتخذه في الواقع الساسة لا الفقهاء! ولو أحب مجادلٌ أن يجادلَ في أهلية الفقهاء لاتخاذ مثل هذا القرار فإنه في الواقع يفتح الملف الشائك "ملف إبعاد الفقهاء عن الواقع"، وهو ملفٌ من ضمن الملفات التي جاءتنا بها الدولة الحديثة، التي استبعدت الفقهاء والعلماء وعَظَّمت شأن الإداريين والموظفين والخبراء.

على أن ما تجب الإشارة إليه هنا أن قرار إغلاق المساجد وتعطيل الجمع والجماعات في الضمير الإسلامي هو أشبه بحظر التجول في مفهوم وعقل السياسي في الدولة الحديثة، بل هو أثقل من ذلك وأعظم، وإنما أريد تقريب المفهوم.. أي أن السياسي لا يفكر في قرار حظر التجول إلا حين يشعر بتهديد وجودي لنظام الحكم!

فلو أن الذي يتخذ القرار سياسيٌّ مسلمٌ غير مسكونٍ -أو مفتونٍ- بالدولة الحديثة لكان قرار إغلاق المساجد والجمع والجماعات هو التالي لقرار إغلاق الأسواق والمطاعم والطيران وحظر التجول، وليس سابقا عليها.

فإذا كنا نعلم بيقين أن بعض الذين يتخذون القرار في المجتمعات المسلمة الآن، لا يأبهون بشأن الدين، بل بعضهم ليس من الدين في شيء، وبعضهم صريح في محاربته ومعاداته، فإن قلب المسلم لا يطمئن إلى مثل هذا القرار الذي اتُّخِذ في غيبة الفقهاء بل في غيبة الشعور بتعظيم الدين نفسه، ومن هنا فإن المسألة تتجاوز كونها قرارا سياسيا في نازلة وباء صحي، وإنما هي تأسيس لعلاقة السلطة (العلمانية، المركزية، المعاصرة) بالمسجد، ومن هنا تظهر في بعض الفتاوى -بحق- هواجس استعمال السلطة هذا الحق في إغلاق المساجد بما يعنّ لها من الذرائع في مستقبل الأيام.

ونحن على بعد أيام من شهر رمضان، وأي مسلم لديه مسحة من الدين سيغشاه الرعب الرعيب من احتمال استمرار قرار إغلاق المساجد وتعطيل الجمع والجماعات في شهر رمضان! إن مجرد التخيل وحده يصيب بالكآبة! ولا يُقال هنا إن التراويح سنة مؤكدة وحفظ النفس واجب، ويقدم الواجب على النفل، ونحو هذا من الكلام الذي يبدو فيه التأثر بالمنطق العقلاني الصوري كأن الإنسان آلة صماء، وإنما تعطل المساجد في رمضان قريب من تعطل الشعائر كلها، أو هو هو.

نسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعن المسلمين هذا البلاء، ونسأله تعالى أن يولي أمورنا خيارنا وينزع عن الحكم شرارنا.

قراءة 104 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 18 مارس 2020 07:56