السبت, 25 أفريل 2020 15:21

كيف حاول ابن تيمية والسبكي وابن خلدون إنقاذ الدولة؟ مميز

كتب بواسطة : عبد الله الطحاوي / كاتب وباحث

يبدو أن عددا من الفقهاء الأعلام انشغلوا بتقديم أفكار إصلاحية تقوم بالأمرين: إصلاح الراعي والرعية.. فعبر الاطلاع على ثلاثة كتب تمثل ركائز إصلاحية، وظهر أصحابها في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، نقدم بعض طرائق الإصلاح السياسي والمجتمعي التي تبناها علماء أعلام وقاوموا بها الفساد وانحراف الحكم. ولم تأخذ القاهرة المملوكية ببرامج الإصلاح المقترحة بل واصلت الانحدار مما أدى إلى سيطرة العثمانيين عليها بسهولة.

وهذه الكتب -وفقا لظهورها الزمني الذي امتد طوال القرن الثامن في بدايته ووسطه ونهايته- هي: كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لتقي الدين ابن تيمية (ت 728هـ)، وكتاب "معيد النعم ومبيد النقم" لتاج الدين السبكي (ت 771هـ)، وكتاب ‘المقدمة‘ للمؤرخ ولي الدين ابن خلدون (ت 806هـ).

ومما يجمع المؤلفين الثلاثة بلوغهم رتبة الإمامة في العلم الشرعي، وأن كلا منهم انشغل بتلمس مشاكل المجتمع دون أن يهمل العناية بدواليب السلطة (الإفتاء والحسبة والقضاء والوزارة)، واكتوى بمحنة السجن حين اتُّهم بالمس من مصالح السلطة. كما يشتركون في أنهم كتبوا رؤاهم الإصلاحية هذه وهم في الأربعينيات من أعمارهم!ثم إنهم ينتمون إلى مجال جغرافي واسع يمثل قلب العالم الإسلامية: الشام ومصر والغرب الإسلامي، ويمثلون المذاهب الفقهية الكبرى السائدة آنذاك في هذا الفضاء الجغرافي: الحنابلة والشافعية والمالكية، وإن تعددت مناهجهم في تصور الإصلاح المنشود بين منهج نظري اتبعه ابن تيمية، وآخر عملي انتهجه السبكي، وثالث وصفي تأملي قدمه ابن خلدون..

وهذه المشروعات الإصلاحية الثلاثة جمعت بينها ظروف معقدة جدا صاحبت العصر المملوكي الذي عانى من اضطراب شديد، وانقسام واسع لدولة الخلافة، وحروب طاحنة شهدت أكثر من مئة حملة عسكرية كبيرة وصغيرة، قاتل فيها مئات آلاف المحاربين، وعرفت نزاعات فرقية شديدة، وشيوع أفكار عدّها الفقهاء كاسرة للعقيدة القويمة.والحقيقة أن دولة المماليك -التي امتدت من سنة 648هـ إلى سنة 923هـ- خرجت من رحم انتصارات تاريخية لتحكم سلطنات عظيمة بمصر والشام والحجاز، وكل ما تملكه من مؤهلات هو البسالة العسكرية وقوة البأس، مستغلة حالة التراجع الاجتماعي الشديد؛ فكيف تصرف العلماء مع هذا التحدي؟ وكيف فكرت النخبة العلمائية في ذلك العصر؟ وما هي المناهج النظرية والعلمية التي طرحتها لتوظيف القوة المملوكية الصاعدة في الدفع باتجاه تحقيق الإصلاح الشامل؟

* رؤية ابن تيمية:

عرف السلطان الناصر محمد بن قلاوون (ت 741هـ) بكونه أحد رواد الإصلاح المؤسسي في العصر المملوكي، وفي عهده ظهر الكثير من الدواوين والمؤسسات التعليمية والصحية. وينبهنا ابن كثير (ت 776هـ) في كتابه "البداية والنهاية" إلى أن عالما مجتهدا كبيرا ساهم في دفع قلاوون باتجاه الإصلاح وتبني بعض المواقف الأخلاقية في عصره، ويضرب مثالا على ذلك بإبطاله شراء المناصب بالرشوة (كانوا يسمونه "البرطلة") و"كان سبب ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية".

ويُعتقد أن ابن تيمية كتب رسالة إصلاحية مهمة لهذا السلطان لعلها كتابه المعنون بـ"السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" تتردى، فقد حاول الجمع بين مهمتين: إصلاح السلطة وتنوير المجتمع، فكتب باختصار عن فكرة وصفها بأنها "لا يستغني عنها الراعي والرعية"، معللا ذلك بأنه "لما تغير الإمام والرعية كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه".

وفكرة هذا الكتاب ذكية جدا، وهي تنظر لكيفية تقنين وضع القوة والشجاعة المتمثلة في الطبقة الحاكمة الجديدة (المماليك)، وفي الوقت نفسه يُوجَه نحو الإصلاح. فمن الخطورة الشديدة -وفقا لرؤية ابن تيمية- ترك تلك القوة الكبيرة تتفلت من قواعد الدين لأنه "إن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس".

يدرك ابن تيمية أنه لا مجال للحديث في هذا الكتاب عن شرعية قرشية، أو حتى عن شرط الحرية المعتاد تأكيده في الفقه السياسي الإسلامي، كما أن الظرف لا يسمح بمناقشة مشروعية المماليك بإعادة ما فعله العز بن عبد السلام (ت 660هـ) حينما أشرف على بيع أمرائهم. فقد تخطت الظروف ذلك لأن المماليك صاروا يحكمون بشرعية انتصار "عين جالوت" العظيم عام 658هـ الذي كسر مدّ التتار الجارف..بنى ابن تيمية كتابه هذا على آيتين من القرآن الكريم، هما قوله تعالى: ﴿إنّ اللهَ يأمرُكم أن تؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها﴾ وهي تخص الراعي (الحاكم)، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم﴾، وهي تخص الرعية (الشعب).

وحاول ابن تيمية -بتنظير اتّسم بالواقعية الشديدة- أن يفض نزاعا كبيرا بين قيمتيْ "القوة" و"الأمانة" عبر هاتين الآيتين. لقد كان يدرك أن اللحظة المثالية هي تلك التي تُسيّر فيها الدولة بالحاكم "القوي الأمين"، ولكن "اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل"، وهو إشكال يمس المشروعية السياسية داخل العصر المملوكي بالذات. فكثير من المماليك حديث عهد بإسلام، وبعضهم مطعون فيه أخلاقيا؛ فهم قد "جمعوا بين الحق والباطل، وضموا الجيد إلى الرديء"، كما يصفهم تقي الدين المقريزي (ت 845هـ). وقد جيء بهم رقيقا من أصقاع الأرض، فأقاموا دولتهم بالسيوف والرماح، وأهم ما كانوا يستندون إليه هو قوتهم وبأسهم.

كان السؤال المطروح أمامه هو: أين يمكن توظيف كل قيمة في موضعها؟ فقرر أنه في ولاية الحرب وقيادة الجيوش إذا حدث تعارض بين القوي الفاجر والأمين الضعيف، فإنه يقدم "الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور"، لكن الأمر مختلف في ولايات الأموال فـ"إذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدِّم الأمين". وفي ولاية القضاء (وهي ولاية بينية) تحرّج ابن تيمية من أن يطبّق عليها معيار القوة، فقال إنه "يقدَّم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع".

والحقيقة أن ابن تيمية يفتح الباب أمام المرونة في تطبيق تلك القيم، حيث يقول "يجب السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها". واللافت أنه كان يتحرك -بذكائه المعهود- في خطته النظرية لإصلاح الدولة المملوكية والمجتمع الذي كانت تحكمه ضمن شرط الواقع، ليس بهدف الغرق فيه بل للنهوض به.

وقد ألّف ابن تيمية الشامي كتابه عن إصلاح الراعي والرعية في القاهرة، في وقت صنّف فيه تاج الدين السبكي المصري كتابه "معيد النعم ومبيد النقم" في دمشق، والأخير هو الكتاب الثاني الذي يمثل الحلقة الأبرز ضمن حلقات المشروع الفقهي لإصلاح الدولة والمجتمع في العصر المملوكي في خلال القرن الثامن الهجري.

* رؤية "السُبكي":

يختلف "معيد النعم" للسبكي عن كتاب ابن تيمية اختلاف المؤلَّف العملي عن صنوه النظري، فكتاب ابن تيمية أُلِّف على غرار مصنفات السياسة الشرعية التي تتعرض عادة للوظائف السياسية العامة للدولة، ولا تهتم كثيرا بالمجتمع وما يعج به من مرافق ومِهَن، أما كتاب تاج الدين السبكي فهو كتاب تطبيقي يبحث أسباب انحراف الدولة في القطاعين العام والخاص، برصده للعيوب الوظائفية والإنتاجية السائدة فيهما وتقديم رؤى وبرامج لمعالجتها.

وبالتالي، فهذا الكتاب درس في السياسة العملية والبرامجية التي تُقدمها في عصرنا اليوم مراكز الخبرة والاستشارة لصنّاع القرار. وهو يقدم لنا قراءة عميقة لطبيعة المجتمع المملوكي في مصر والشام والحجاز. وقد خاطب السبكي في كل ذلك السلطانَ ونائبه ومساعديهما وقادة الجيوش، والعلماء في المساجد والمتصوفة في الزوايا، وصولا إلى أصحاب المهن المختلفة وحتى الشحاذين في الطرقات.

وبالتالي، فالكتاب مصدر غني بالمعلومات التي تخدم أعمال المؤرخين والباحثين الاجتماعيين، وكل المعنيين بنظام الدولة والمجتمع حينها، وبكيفية عمل الوظائف القيادية والإدارية في الدولة ونظيرتها الخدمية في المجتمع. ومن المهم أن نلحظ أن الكتاب يندرج ضمن مجال السياسة الشرعية التطبيقية، وهو مجال لا يتلفت إليه الباحثون كثيرا.

افتتح السبكي كتابه بـ"سؤال" وجهه إليه سائل يطلبا منه، وهو الفقيه القاضي، إخباره عن "طريق لمن سُلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه ورُدّت عليه"، فأجابه بأن عليه ثلاثة أمور: أن يعرف السبب الحقيقي الذي أدى إلى ذهاب النعمة؛ وأن يتوب من الذنب الذي تسبب له في فقدان نعمته، ثم أن يعترف بما في محنة فقدانه النعمة من فوائد ليرضى.لم تقنع هذه الإجابة السائلَ فطلب من السبكي "شرحا مُبِينا مختصرا"، فرأى أن يضع كتابا في جوابه مقتصرا فيه على "النعم الدنيوية إذ كانت محط غرض السائل".

لكن السبكي قرر أن ينقل السؤال من حالة الفرد إلى وضعية الدولة والمجتمع، فوسّع من دلالة السؤال عن كيفية استعادة الفرد المصالح الضائعة عليه، إلى كيف تعود الأمة (بكافة نُظُمها) وحكامها إلى النعم والتمكينات التي فقدتها بسبب الانحرافات السلطوية والاجتماعية؟وقد حاول السبكي أن يعالج الازدواجية الشديدة التي كانت سائدة في المجتمع المملوكي، حيث كان الحكام يعتقدون أن بناء المساجد، ومدارس العلم، وزوايا التصوف، وإطعام الفقراء، وإقامة أسبلة الماء، كفيل بغفران ذنوب سفك الدماء وهدر الأموال وظلم العباد.

واتسم مؤلف الكتاب بالشجاعة في عرض رأيه ونقده السياسي والاجتماعي، وتلك الفضيلة كانت سمة عامة في عصر المماليك الذي انتشرت فيه الكتابات والأشعار الناقدة، ومن ذلك أن السبكي يسجل بوضوح أن من مظاهر جحود نعمة رئاسة المسلمين أن يظن السلطان أن الولاية هي أن يكون الرئيس "آكلا شاربا مستريحا"، وكذلك ليست السلطنة أن "يفرق [السلطان] الإقطاعات على مماليك اصطفاها وزينها بأنواع الملابس، والزراكش المحرمة، وافتخر بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الإسلام جياعا في بيوتهم". كما حاول أن يهدم عادة ساسانية اشتهر بها عصره وهي تقبيل الأرض تحت السلطان، فذكر أنها أمر "من عظائم الذنوب، ونخشى أن يكون كفرا".

كما انتقد بشدة سلوك بناء المساجد الكبرى وهو من ميزات العصر المملوكي، خصوصا تلك التي كانت تشيد بفرض الضرائب ونهب أموال الرعية، فنجده يخاطب الحاكم بقوله: "تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان؛ فلا والله لن يتقبله الله تعالى أبدا، وإن الله سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا". ونقل المؤرخ المصري ابن إياس (ت 928هـ) أن المصريين "اللطفاء" أطلقوا على مدرسة/مسجد بناه السلطان قانصوه الغوري (ت 922هـ) بأموال الضرائب الظالمة اسم "المسجد الحرام". كما انتقد السبكي سلوك نخبة المجتمع التي يحرص أحدهم على الصلاة "شكراً لله تعالى على أن جعله ذا كلمة نافذة عند ولي الأمر، و[يـ]ترك المظلوم يتخبطه الظلم"، مؤكدا أن "صلاته وبالٌ عليه".

والمتمعن في تلك التفاصيل الناقدة يجد أنها ترصد الواقع السياسي الذي كان يعيشه السبكي، وأنه حاول أن يلخص تلك الإشكالات السلطوية وما صاحبها من ازدواجية في القيم، واعتبر أن كل هذه السلوكيات مضادة لمهام الوظيفة ومعجلة بزوال نعمتها عن صاحبها، وإذا استمرأ السلطان هذه السلوكيات ثم "سلبه الله النعمة أخذ يبكي ويقول: ما بال نعمتي زالت وأيامي قصرت؟! فيقال له: يا أحمق، أما علمت السبب؟! أَوَلستَ الجاني على نفسك؟!".

ومن الأفكار المهمة التي وردت في الكتاب نقده للمؤسسة العسكرية المملوكية، وهي مؤسسة الحكم والنخبة السياسية في ذلك العصر، فقد حرم السبكي تجنيد الفقير العاجز الذي لا يستطيع أن يدفع البدل، وكذلك انتقد بشدة سياسة تسخير الفلاحين من المجندين في إقطاعيات قادة الجيش لأن "الفلاح حر لا يدَ لآدمي عليه، وهو أمير نفسه". كما رفض فكرة أن يستمر الفلاح في الجيش فوق ثلاث سنوات، واعتبر ذلك من قبائح "الديوان" العسكري محتجا على جعل القوانين العسكرية فوق أحكام الشريعة، فـ"من قبائحهم (= العسكر) أنهم إذا اعتمدوا شيئا مما جرت به عوائدهم القبيحة، يقولون: هذا شرع الديوان! والديوان لا شرع له، بل الشرع لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم...". ولعل من المدهش حقا في الكتاب تلك الصفحات الطوال التي كتبها لتحليل العلاقات المدنية العسكرية في تلك الفترة، وبتلك الدقة التي تكاد تتماس في الكثير من الأحيان مع إشكالات الجيوش والحياة المدنية في العصر الحديث.

فقد رصد السبكي شعور الازدارء الذي كان يسِم سلوكَ العسكر حينها تجاه النخبة العلمائية والثقافية، والتضييق عليها في الرزق، فقال إن "من قبائح كثير من الأمراء (= القادة العسكريين) أنهم لا يوقرون أهل العلم، ولا يعرفون لهم حقوقهم". وتحدث أيضا عن مظاهر الفساد المالي الذي اعترى المؤسسة العسكرية في زمنه؛ فكان رأيه أن الذهب الذي تطرّز به أزياؤهم ونياشينهم لو وُضع في الخزينة العامة و"تداوله المسلمون لانتفعوا به، ورخُصت البضائع، وكثرت الأموال".

وهذا التلويح بتأميم ثروات العسكر استصحب فيه تفاصيل موقف العز بن عبد السلام حينما رفض فرض ضرائب على الشعب أثناء التحضير لمعركة عين جالوت، وقام بتأميم أموال قادة المماليك (أمثال قطز وبيبرس). وفي كلامه عن الوسط العلمي، تحدث السبكي عن النعم والنقم التي تسود حياة العلماء، مشيرا إلى ثلاث وظائف رئيسية يجب أن يقوم بها العلماء؛ وهي: التعليم والإفتاء والنصح العام، وشدد على ضرورة أن يتحرر الفقيه من سطوة الدنيا ومن أسر تفاصيلها.

وكان من ورأيه أن العلم والعقل ليسا هما مفتاح الغنى، وقد يكون الجهل طريقه أسرع وأضمن لمن يريد أن يغتني من وراء توسد القضاء من الفقهاء؛ ولذلك أرشد هؤلاء إلى أن الالتحاق بالجيش لأنه أجدى في تلبية طموحاتهم المالية. ورصد كذلك شراء المناصب القضائية بـ"البرطلة" (الرشوة المالية) ورأى أن هذا يُسقط أحكام القضاة الشرعية، مفندا مزاعم من يقول منهم: "أكرِهت على القضاء"، مؤكدا أنه لم يرَ "مَن أكرِه على القضاء الإكراه الحقيقي...، فقبحها الله تعالى من طائفة"، ثم حذر من بعض المشاكل العلمية التي فشت في عصره مثل التعصب المذهبي، فقال مخاطبا الفقهاء: "وأما حملكم الناس على مذهب واحد فهو الذي لا يقبله الله منكم، ولا يحملكم عليه إلا محض التعصب والتحاسد. قبح الله مثل هذا الفقيه".

* رؤية ابن خلدون:

رغم أن ابن خلدون كتب "المقدمة" وتاريخه "العِبر وديوان المبتدأ والخبر" قبل وصوله إلى مصر عام 784هـ للاستقرار فيها، وإن زاد في عمليه كثيرا هناك ونقحهما، فإنه عقد فصلا في تاريخه عنونه بـ"الخبر عن دولة الترك (= المماليك) القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم".

وتحدث ابن خلدون في هذا الفصل عن تدرج الأتراك في سلم المجتمع الإسلامي، بداية من عملهم في الصنائع والمهن، مرورا بانخراطهم في الجيوش جنودا مقاتلين، ودخولهم دواوين الحكم مديرين وكتبة مثقفين، وانتهاء بتبوّئهم أعلى مناصب السلطة العسكرية والسياسية قادة وسلاطين، وخاصة في مصر بعد نهاية الدولة الأيوبية فيها عمليا بمقتل الملك توران شاه الأيوبي سنة 648هـ وتسلم مماليكها السلطة بدءا من السيدة شجرة الدر (ت 655هـ).

ولعل وضع ابن خلدون في مصر بوصفه ضيفا لاجئا وإيثاره السلامة جعلاه لبقا في حديثه المقتضب عن المماليك..

لقد كانت "المقدمة: إجابة تفصيلية عن سؤال الإصلاح السياسي، لكن ابن خلدون أجاب عنها بطريقة مختلفة مركزا على قضية الحضارة ومتحدثا عن الدول صعودا وهبوطا، وكيف تنسلخ الدولة من الأخرى بإكمال دورتها العُمُرية مثل الإنسان الذي يولد فيكبر ثم يهرم فيموت، وإذا "انتقض عمران الأرض [فذلك] بانتقاض البشر".

كان ابن خلدون يريد أن يشخّص بدقة ما الذي حدث للحضارة العربية الإسلامية؟ وحينما يكون السؤال على مستوى الحضارة تصبح الإجابة على مستوى الدين والعوائد والسياسة والاقتصاد والمعارف، وطبيعة العمران الاجتماعي، والتكوينات الاجتماعية والدوافع العصبية، وقد حفل الكتاب بالرؤى عن  كل ذلك، وعن العلاقة بين أرباب رأس المال وأصحاب السلطة، وبين المثقفين والعسكريين، وعن تاريخ العلوم وأنماط عمل الوظائف والصناعات.

لقد كانت "العصبية" مادة ابن خلدون الذهبية التي فهم من خلالها كيف صعدت الدولة العربية المضرية، ثم كيف ضعفت من داخل جهاز الدولة نفسها باستخدام الموالي والأرقاء، راصدا لحظة ظهور العصبية العجمية وخاصة التركية القائمة على شرعية القوة العسكرية، والتي آلت إليها مصائر الحكم في معظم وأهم أصقاع الإسلام.

و"المقدمة" مهَد فيها ابن خلدون الطريق لفهم أن الحضارة هي شيء أكبر من دولة ومن مذهب ومن عرق، وعندما كتب "المقدمة" كانت الحضارة الإسلامية في أشد لحظاتها تراجعا، فقد "تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره، وكأنه خَلْق جديد ونشأة مستأنَفة وعالَم محدَث". فكان هذا هو الوقت المثالي ليدوّن قصة الحضارة، حيث "احتاج [الناس] لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنِّحل التي تبدلت".

لقد أجاب ابن خلدون عن أسئلة الإصلاح السياسي إجابة حضارية، ذاهبا إلى خضوع الحاكم وشعبه لسنن تاريخية وقواعد اجتماعية، هما نتاجها وهما مادتها وأدوات الفعل فيها. ولعله قصد تقديم قواعد حضارية يمكن لدول عهده والدول اللاحقة الأخذُ بها لإصلاح الأوضاع المتدهورة وتأخير سقوط الدول والكيانات أطول فترة ممكنة.

قراءة 478 مرات آخر تعديل في السبت, 25 أفريل 2020 15:49