السبت, 25 أفريل 2020 22:09

أصبحت الآمر الناهي... قصة بروز وتضخم المؤسسة "الانكشارية" (العسكرة) مميز

كتب بواسطة :

مؤسسة "القولار" أو "الانكشارية" (العسكر والجيش، ونشأت في مرحلة لاحقة لنشأة الدولة، لكنها أصبحت الآمر الناهي في آخر أزمنة العهد العثماني) شاركت في تكوين بنيان السلطة العثمانية.. والتحول النوعي في تأثيرهم وحضورهم واقترابهم من مركز السلطان كان في عهد محمد الفاتح، ثم تضخم دورهم إلى أن أصبحوا يعينون الدايات (حكام الإيالات التابعة للمركز) ويزيحونهم...وأسهم هذا الإرث في ترسيخ ظاهرة "العسكرة" وتحكمها في أجهزة السلطة في أوطاننا.

وبداية القصة اقترنت ببروز اتجاه جديدة داخل السلطنة العثمانية بعد فتح القسطنطينية نحو تعزيز وضعية السلطان وهو في أوج قوته بعد هذا الفتح، وانتزاع هامش استقلالية أكبر لمركز السلطان وترسيخ دور الحاكم داخل شبكة مراكز السلطة، بما يعمق استقلالية السلطة عن مدارها وحاضنتها الاجتماعية، وضبط مؤسسات الحكم وتركيز القرار بيد السلطان.

وكانت مؤسسة "القولار" (الجيش الانكشاري) في تلك المرحلة من تاريخ الدولة العثمانية في موقع هامشي قياسا مع باقي المؤسسات المكونة لبنيان السلطة.ولك أن تقارن هذا الوضع مع ظاهرة سيطرة "العسكرة" التي تتحكم في مصائر الشعوب والبلدان في أوطاننا. ونظرة الحاكم العثماني، آنذاك، إلى مؤسسة "القولار" باعتبارها آلة بيده لا يختصر واقع المسألة، فقد أدت هذه السياسة إلى تغير في وضع المؤسسة العسكرية (القولار) نفسها.

ذلك أن تولي هذه المؤسسة لمواقع سياسية مركزية أتاح لها الانفتاح على مهام سياسية جديدة، تتسع أو تضيق وفقا لطبيعة التحولات في مراكز السلطة المختلفة.وربما تتميز مؤسسات القولار (الجيش) عن غيرها من المؤسسات والمراكز التي أسهمت في تكوين بنى السلطة العثمانية ببروزها في مرحلة لاحقة لنشأة الدولة.

وإذا كان نشوء هذه القوة يعود إلى القرن الرابع عشر، فقد اقتصر وجودها في البداية وحتى منتصف القرن الخامس عشر على مجموعات من أسرى الحروب، عملت السلطة على إعادة تنشئتهم العقدية والثقافية على أيدي الطرق الصوفية، لتُلحق بتشكيلات الدولة العسكرية أو الحري السلطاني.حتى بدايات عهد محمد الفاتح لم يتجاوز عديد الانكشارية 5 آلاف، ثم ازداد هذا العدد ليبلغ 10 آلاف.

وقد اقتصر دور القوة الانكشارية على تأثير عسكري محدود تستوعبه قوة الدولة السياسية والعسكرية،  وشهدت هذه الوضعية تحولا نوعيا بعد فتح القسطنطينية، وذلك عندما أقدم محمد الفاتح على بناء مؤسسات علمية خاصة بفئة "القولار"، وهذا لتأمين مستلزمات تبوَء هذه الفئة شتى وظائف الدولة المدنية إلى جانب دورها العسكري الثابت، معبرا بهذه السياسة عن اتجاه جديد للسلطة يهدف إلى بناء قوة مستقلة عن مداار الاجتماع السياسي العام.

وقد نجحت هذه السياسة في بناء مؤسسة بيروقراطية وتحولت إلى موقع مركزي في بناء السلطة. وكانت التنظيمات الصوفية تتولى العمل اللاحق، واحتكرته الطريقة "البكتاشية"، ليشمل البناء العسكري والإداري الذي يؤهل جموع "القولار" لتولي مراكز مختلفة داخل أجهزة السلطة، بدءا بوظائف القصر والمناصب الدارية والمدنية وصولا إلى الخدمة العسكرية في التشكيلات الانكشارية. والمهمة التي أناطتها السلطة الحاكمة بالطرق الصوفية بغية بناء مؤسسة "القولار" يضعنا أمام وضعية تاريخية جديدة، تقتضي تطويع أنشطة الطريقة "البكتاشية" وتوظيف إمكانياتها لما يتلاءم واحتياجات السلطة.وشكلت هذه القوة (القولار/الانكشارية) في المراحل الأولى من نشأتها مرتكزا عسكريا وإداريا فعالا مكَن السلطة من امتلاك أجهزتها الخاصة المنفصلة عن تكوينات المجتمع، والتي لا تدين بالولاء السياسي إلا للسلطة نفسها ومحورها مركز السلطان.

وصار بإمكان السلطة، في هذه الحالة، الحضور فاعلا سياسيا مستقلا بإمكانه مغالبة ما دونه من قوى سياسية فاعلة وصولا إلى التحكم فيها.وعلى هذا، نجم عن بناء مؤسسة "القولار" إحداث تعديل سياسي في بينية مراكز السلطة نفسها، فقد سمحت هذه المؤسسة، التي بنيت بعناية فائقة من قبل محمد الفاتح، بإحداث تعديل في ثقل مراكز السلطة، وذلك لمصلحة مركز السلطان وعلى حساب مراكز القوى الأخرى.

غير أن انفصال السلطة عن المجتمع وتضخم مركز السلطان أسستا لمرحلة جديدة في تاريخ علاقة مراكز السلطة بعضها ببعض، والسمة الرئيسية لهذه المرحلة تتمثل في تحول مؤسسة "القولار" من الجهاز الرئيسي الذي تملكه السلطة للانفصال عن المجتمع إلى مركز سياسي قادر على المشاركة في رسم توجهات السلطة أو التوسع أكثر من ذلك ليكون بمقدوره إعادة تشكيل خريطة قوى السلاطة.

وقد أتاح ضمور مركز السلطان، بعد ذلك، لهذه المؤسسة التحول من جهاز تابع للسلطة إلى قوة مركزية متحكمة إلى حدود بعيدة بأجهزة السلطة المختلفة، وهذا ما نجسده مجسدا منذ القرن السادس عشر، حيث تتصدى مؤسسة "الانكشارية" للقيام بعليات عزل وتصفية وتعيين سلاطين وولاة وصولا إلى المفتي، وصياغة المواقف والقرارات المرتبطة بالسلم والحرب ومختلف سياسات الدولة.

قراءة 207 مرات آخر تعديل في السبت, 25 أفريل 2020 22:21