الأربعاء, 29 أفريل 2020 05:24

مسلسل "أم هارون"...متصهينون أكثر من الصهاينة!! مميز

كتب بواسطة :

منذ بداية التسويق لـ"صفقة القرن"، في جوان الماضي، بإشراف مستشار البيت الأبيض وصهر الرئيس الأميركي، الصهيوني الحقود، جاريد كوشنير، بادر الإعلام الخليجي، خاصة الممول سعوديا، إلى الترويج للدعاية المسمومة. وراح يتلاعب بالمصطلحات ويطوّعها خدمةً للمشروع الصهيو أمريكي. ولم يستثمر آل سعود كل تلك المليارات في تأسيس المنابر الصحافية والإعلامية عبثاً، فقد كانت تلك توجيهات المستشارين الأميركيين منذ البداية.

وشكلت قناة "العربية" رأس حربة في الترويج للصفقة. هدأت الحملة مع الاجتياح السريع لوباء "كورونا"، لكن مع حلول شهر رمضان المبارك استنفروا صنّاع الدراما، وركزوا على شبكة mbc السعودية، لبثّ مزيد من السموم، واللعب على المغالطات التاريخية، سعياً للعبور نحو بوابة التطبيع المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي وأنسنته. وضمن هذا السياق السياسي جاء مسلسل "أم هارون" (تأليف محمد وعلي شمس، إخراج محمد جمال العدل)، الذي نجح في إثارة الجدل منذ عرض إعلانه الترويجي قبل أيام من رمضان. تعالت الأصوات، متّهمةً المسلسل بـ"أنسنة" الجلاد، واستخدام الدراما لتمرير التطبيع.

المسلسل الذي مُنع في الكويت، بسبب تعارضه مع توجهات البلد الخليجي حيال الشعب الفلسطيني، تصدرت بطولته الممثلة الكويتية حياة الفهد، التي جسّدت سيرة "أم هارون" اليهودية، في إطلالة على حياة يهود الخليج، وتحديداً في الكويت في خلال أربعينيات القرن الماضي. وتعاونت "الفهد" في إنتاج العمل مع شركة "جرناس" للإماراتي أحمد الجسمي، وكلاهما يعمل منتجا منفّذا لدى الشبكة السعودية، علماً أن المسلسل صوّر بالكامل في الإمارات، بعد حيازته إجازة هناك.

وسرعان ما أحدث المسلسل حراكا إلكترونيا (عبر وسائل التواصل الاجتماعي)، ودعا إلى مقاطعته، بما أنه يستخدم اللغة الدرامية، ويتكئ على المغالطات التاريخية، لإثارة التعاطف مع اليهود الذي يعودون إلى "أرضهم" (أي فلسطين) وفق سياق المسلسل! واعتبروه صناعة دعائية "لإزالة الحاجز النفسي والعدائي" لدى العرب تجاه "إسرائيل" من خلال الدعوة إلى التعايش معها.

ومن الرسائل التشويهية في هذا المسلسل (أم هارون) أنه يصور المرأة العربية الخليجية بأنها نمامة وحسودة ومؤذية وكسولة وحقودة، وينعتها بكل صفات الشر والدناءة، وأما اليهودية "أم هارون"، فتُعرض على أنها المرأة الطيبة والمتسامحة والخلوقة والعفيفة، ويصبغ عليها كل صفات الخير والإنسانية! وظهروا في هذا المسلسل متصهينين أكثر من الصهاينة!!

ومع بدء حلقات المسلسل، برزت أكثر فأكثر الرسائل التطبيعية والخادعة، خاصة في إخفاء أي ذكر لفلسطين، مقابل الاعتماد على الرواية الصهيونية في عودة الصهاينة إلى "إسرائيل". والجدل المثار حول المسلسل الخليجي، لم يقف عند حدود أخذ ورد عربي، بل تخمسل له "الإسرائيليون" وباركوه، والتقطوا الضجّة المثارة حوله، وراحوا يشيدون في إعلامهم بالعمل. وكذلك فعل المتحدّث باسم الجيش الصهيوني أفيخاي أدرعي.

وفي السياق نفسه، اقترن بث "أم هارون" مع مسلسل آخر يندرج ضمن "الكوميديا": "مخرج 7" (تأليف خلف الحربي - إخراج أوس الشرقي)، يتصدّر بطولته الممثل السعودي ناصر القصبي، ويقحم في حبكته، القضية الفلسطينية أيضاً. وفي بعض حواراته الذي انتشر أخيراً على وسائل التواصل الاجتماعي، يجاهر المسلسل بأن "إسرائيل" ليست عدواً، متبنّياً للمرة الأولى خطاباً تطبيعياً واضحاً ومباشراً.

في الحلقة الشهيرة للمسلسل، الذي يمثّل فيها القصبي دور الأب القلق على صداقة ابنه الصغير مع صبي إسرائيلي يتشارك معه الألعاب الإلكترونية، يدور حوار بين القصبي وبين الممثل راشد الشمراني. يشنّ الأخير هجوماً على الفلسطينيين، واصفاً إياهم بالأعداء، لأنهم "يهاجمون السعودية"، ومدّعياً أن المملكة "شنت حروباً" من أجل فلسطين. لكن بحسب الشمراني، هؤلاء لم "يقدّروا" تضحيات السعودية، واعتبرهم "أسوأ من الإسرائيلي"! ويتابع الشمراني كلامه، جازماً: "إسرائيل موجودة عاجبكم أو مش عاجبكم"، ساخراً من الحديث عن نهاية "إسرائيل"، ومستخدماً خطاباً انبطاحياً استسلامياً يعتبر أننا لم نحقق شيئاً إلى يومنا هذا بخصوص القضية الفلسطينية، سوى "الكلام والجعجعة".

وتُرجم المقطع إلى العبرية، وعُرض على منصات الإعلام الإسرائيلي، وحظي بإشادة منه، بما فيها قناة 12 الصهيونية. واعتبرت القناة الصهيونية في تقرير لها بأنّ المسلسل "ينقل رسائل إيجابية تجاه إسرائيل"، ويدعو إلى التعامل التجاري معها، ويصنف إسرائيل بأنها "ليست عدواً". وخلص تقرير القناة إلى توصيف ما حدث بأنه "تغيير جذري يتجاوز عتبة التطبيع".

ولم تكتف المنصات الافتراضية المناهضة للتطبيع بالإدانة بالشجب، إذ انطلقت حملات عدة على رأسها "سعوديون ضد التطبيع"، التي تضمّ أكاديميين وناشطين سعوديين، يعملون جاهدين على تفكيك الخطاب التطبيعي المسموم من البوابة الدرامية. هؤلاء نجحوا في الأيام الماضية، في تعرية الرسائل التطبيعية في كلا المسلسلين، وعرضوا نقاشات هادئة وحاسمة، معتبرين أنّ ما تقدمه mbc، يستهدف الوعي التاريخي وتشويه القضية الفلسطينية.

ويرى نقاد الدراما أنه على مستوى النص (أو الخطاب)، فإنّه يمكن الحديث عن محاولة هزيلة فنياً لفرض الوجود "الإسرائيلي" على المتلقين من خلال قصّة "أم هارون" المسروقة من التاريخ العراقي الحديث. إذ اقتُطعت من سياقها الجغرافي وأعيد بناؤها كويتياً.

فالقصّة ذاتها شديدة الهامشية، وتعتمد خدعة بناء العمل الدرامي التقليدية البالية حول شخصيّة امرأة عظيمة تواجه ظروفاً مجتمعيّة قاسية وتسمو فوقها. وقد سمعت انتقادات شديدة لطريقة تصوير العمل، وعجزه عن تقديم المرحلة التي يدّعيها، ناهيك بالحوارات المفتعلة والدعائيّة. لكن الرسالة مع ذلك واضحة: اليهود تاريخيّاً من أهل المنطقة، والذي حصل باسم فلسطين كان مجرد انحراف سير مكلف لمسار التاريخ حان وقت التخلص منه، مع ترداد ببغائي لمصطلحات تتعلق بإسرائيل واليهود والأصوات والتقاليد العبريّة كي تبدأ الأذن العربيّة بالتعود على أجواء الزمن القادم.

وفي المسلسل الهزيل الآخر "مخرج 7"، هناك اعتماد على "شعبويات" مسطّحة من الأفكار التي تبثّها الجيوش الإلكترونية السعوديّة على تويتر، بما يخدم تطبيع المصطلحات والتقاليد والأصوات والموسيقات العبريّة في الأذن العربيّة، مع تشويه صورة الفلسطيني بتصويره مخلوقا من الدرجة الثانية مقارنة بالندّ "الإسرائيلي"، مستسلما وضعيفا ومعتمدا على التسوّل للعيش، والآخرين لتحرير بلاده.

قراءة 306 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 29 أفريل 2020 05:47