الثلاثاء, 05 ماي 2020 18:15

الدستور "الإسلامي": أزمة تصور أم أزمة تجربة؟ مميز

كتب بواسطة : محمد إلهامي / باحث في شؤون التاريخ

يرى نقاد أن تجربتنا الحضارية فقيرة في الإجراءات السياسية رغم ثرائها في باب القيم، ومن مظاهر فقرها أنه لم يكن لحضارتنا دستور طوال الفترة الممتدة من "وثيقة المدينة" وحتى صدور الوثيقة في تونس (1861)، وهكذا كانت فترة الظلام طويلة بين لحظتين مضيئتين شهدتا دسترة القيم السياسية في إجراءات.

ثمة ملاحظات جوهرية على هذا المنطلق:

* المشكلة الرئيسية هي اعتبار أن وجود نص مكتوب على صيغة مواد وبنود، وهو شكل الدساتير المعروف، يكون معيارا حاكما على التجربة الحضارية بالتقدم أو التخلف، فمجرد وجود أي نص على أي صيغة لا ينبغي أن يعبر عن شيء في نفسه، إلا لو أن معيارنا هو مجرد معيار شكلي ظاهري.

فالمدن اليونانية والإمبراطورية الرومانية والدول المستبدة في عالمنا المعاصر تتخذ لنفسها دساتير مكتوبة على صيغة المواد والبنود، فلم يمنع هذا الوجود من دسترة الاستعباد والعنصرية في مدن اليونان ولا تسويغ الاستعمار للرومان، ولم تُغْنِ كثرة المواثيق التي يحفل بها عالمنا المعاصر من كثرة المذابح!

* فإن قيل ليس المقصود مجرد وجود نص مكتوب على هيئة بنود، وإنما المقصود وجود نصٍّ حاكم يتمتع بالرسوخ والتقدير وله هيمنة على النظام، فهنا لن نجد نصا لا في القديم ولا الحديث أرسخ وجودا ولا ثبوتا ولا هيمنة على النظام من القرآن الكريم، وهو نصٌ كُتبت حوله آلاف الشروحات والتفاسير واستنبطت منه ما لا يحصى من المواد القانونية واشتغلت عليه ما لا يُحصى من العقول في استنباط الفتوى لظروفها الزمانية والمكانية.. فلو أن هذا كان مقصود النقاد للفت نظره نص القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة، إلا أن اختياره لحظة وثيقة المدينة ولحظة وثيقة تونس تدل على أن نموذجه المنشود هو الوثقية ذات النصوص المصاغة على هيئة بنود ومواد.

* تعلمنا قديما أن الحديث إن كان عن الحلال والحرام فلا بد من الاستناد إلى النصوص الصحيحة، بل بعض العلماء لا يجيز رواية الضعيف ولا في فضائل الأعمال، فنحن حين نتكلم عن أصول حضارتنا الإسلامية ومنطلقاتها وما يُؤثر في صعودها وهبوطها سلبا وإيجابا، نكون بحاجة أقوى إلى الاعتماد على الصحيح وحده، فالمسألة هنا ليست مسألة حكم فرعي في عبادة أو معاملة، وإنما هي حديث في أصول الدين ومنهجه ونظامه.

الغريب هنا أن وثيقة المدينة نفسها إنما صح بعض منها بمجموع الطرق، فهي ليست صحيحة على منهج المحدثين، ومن قالوا بصحتها فغاية ما قالوه إنه تصحيح بمجموع الطرق لبعض بنودها، وعليه قالوا إن "الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية" إلا ما صح من نصوصها المنفردة الواردة بالأسانيد الصحيحة في كتب الحديث.

إنما أورد كتاب السيرة الوثيقة جريا على المعروف من أن التاريخ لا يُعامل بالصرامة التي يُعامل بها الحديث. وفي موضوعنا هذا حيث يُراد الاستدلال بوثيقة المدينة على أن الدستور من أصول وقواعد الإسلام وأن عدم وجود وثيقة على هيئته من علامات انتكاس الحضارة الإسلامية، فعندئذ يجب أن ننبه إلى أن الوثيقة لا تنهض للاستدلال بها. 

* أن الوثيقة نفسها، إن صحت حديثياً وصارت نصا يصلح للاستدلال به، فإن هذا أيضا لا يجعلها حجة على ما أراده النقاد، تجربتنا الحضارية فقيرة في الإجراءات السياسية، فغاية ما يُقال إن الوثيقة كانت حاكمة على العلاقات داخل المدينة في السنوات الأولى لها، حتى نزلت آيات القرآن الكريم التي تحدد المعاملات وعلاقة الدولة الإسلامية بسائر الأطياف، وتستدرك على ما أقيم من العقود والمعاهدات.. أي أنها في أحسن أحوالها كانت وثيقة مرحلة انتقالية لا واجبا ثابتا يفرض كتابته في النظام السياسي للدولة الإسلامية. ولهذا لم يجد الفقهاء عبر ذلك التاريخ الطويل ما يدعوهم لأن يعتبروا عدم وجود وثيقة على هيئة بنود من جملة المعاصي والمخالفات، ولو أن الأمر كذلك لما تعذر على حاكم ظالم أو عادل وضع وثيقة يخرج بها من جملة المخالفة والمعصية ولو لم يكن لها أثر حقيقي كما تفعل البلاد المستبدة صاحبة الدساتير. ومنذ أبي بكر وعمر، وهما ذروة الخلافة الراشدة، لم يجد الخلفاء أنهم ملزمون بوضع دستور بتلك الصيغة. لهذا فغاية ما يكون أمر الدستور أن يكون من المباح لا من الواجبات ولا الضرورات. 

فالحديث عن حضارتنا التي تعاني من "فقر الإجراءات" يمتد ليشمل بالتهمة عصر الخلافة الراشدة على الجملة، فكيف يجوز هذا والخلفاء الراشدون هم القدوة الذين نص النبي على الاقتداء بسنتهم؟!

* تُساق مسألة كتابة الدستور على أنها مسألة توافقية، يجري فيها التنازلات والتفاهمات، وتصل إلى المشترك المتفق عليه بين الجميع.

لم يكن هذا قائما في وثيقة المدينة، إنما كانت الوثيقة صريحة في جعل السلطة والحكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يسع النبي في هذا الأمر إلى توافق، إنما دخل المدينة وهي تكاد تجتمع على ملك هو عبد الله بن أبي بن سلول فأقام النبي نظاما سياسيا جديدا، فلم يفكر في إبقاء إجراءات تنصيب ابن سلول، ولا حتى فكر في مشاركته الحكم، وإنما جاء النظام السياسي النبوي الجديد لينهي كل ما فات، ونصت الوثيقة على هذا الأمر صراحة، فقد ورد فيها "وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". والوثيقة من أولها لآخرها تجعل (المؤمنين) كتلة وغيرهم كتلة أخرى، وهو ما يناقض مفهوم المواطنة الحديث الذي بُنيت عليه الدساتير في الدولة القومية؟

* مشكلة عصر الاستضعاف الكبرى أن البحث في حلها يتجه إلى اتجاهين كبيرين: إما أن نوفق الإسلام مع الواقع، أو أن نوفق الواقع مع الإسلام. حين ننطلق من تثبيت أهمية الدستور ولزوم وجوده فإننا على الحقيقة نحاول "دسترة" الإسلام لا "أسلمة" الدساتير، وهو نوع من حمل الإسلام على التوافق مع ما صار واقعا وتقليدا سياسيا معاصرا، هنا نجعل الواقع حاكما على الإسلام ونلتمس من الإسلام أن يستجيب لما يمليه الواقع من ضغوط! فإن كانت سيرة الدساتير في التاريخ السياسي إنما نشأت في أنظمة لا علاقة لها بالدين (بداية من الوثنيين اليونان، وحتى النظام العلماني المعاصر) فنحن نحاول استنبات زرع لم ينبت لا في تربتنا ولا في تربة شبيهة.

إن الدستور هو محاولة وضع نص مقدس في بيئة لا ينطق فيها الإله بشيء، فالإله إما وثن في حضارة اليونان والرومان لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا، والإله محذوف تماما في الحضارة العلمانية ولا يُسمح بوجود مرجعية متجاوز للبشر أصلا. وقد اصطبغت الدساتير بتجربتها بطبيعة الحال، فالدساتير الحالية هي نص مقدس وُضِع لصيغة الدولة القومية، وهو الأنموذج الذي انتهت إليه تجربة غربية مريرة ومختلفة في زمانها وطبيعتها، ولا يزال أنموذج الدولة القومية في أحسن الأحوال يطرح تناقضات حقيقية مع النظام الإسلامي، بينما يرى آخرون -وهو ما أعتقده- أن النظامين متناقضين لدرجة يستحيل معها التقاؤهم، فإما أن يتنازل الإسلام عن جملة وجمهرة من أحكامه، وفيها المجمع عليه، وإما أن يتغير نظام الدولة القومية فيتخلى عن جملة من ثوابته. وحقيقة الصراع الحالي في العالم هو وجود التناقض الحضاري، فلا يزال الغرب يريد أن يضعنا في نظامه، ولا زالت الأمة تقاوم ولا تقبل به.

* خاتمة الحديث: كيف تستمر حضارة مع فقر الإجراءات في أهم أبوابها وهو باب النظام السياسي؟..

إن مجرد بقاء الحضارة الإسلامية ألف سنة وتحكم على الأقل ثلث العالم المعروف لهو دليل على قدرتها وتمكنها من إدارة شؤون الحياة وإمداد الإنسانية بقيم وإسهامات وافرة في سائر المجالات.. فأَنْ يُقال إن "حضارتنا الإسلامية عانت من وقت مبكر فقرا في الإجراءات" لهو دليل على أن مقياس الفقر والغنى في الإجراءات هو نفسه مقياس يحتاج إلى تعديل وتصحيح لاستيعاب حالة حضارة ظلت ألف سنة في الصدارة! إنها على الحقيقة أزمة تصور لا أزمة الحضارة الإسلامية. هل معنى هذا أني ضد كتابة دستور على الجملة؟ بالطبع لا، ولكني لا أجعل وجود دستور من عدمه علامة على أي شيء ولا معيارا لأي شيء، ولا أرى وجوده ضرورة ملزمة لأي نظام سياسي.

قراءة 209 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 05 ماي 2020 18:37