الثلاثاء, 26 ماي 2020 17:34

الأمير القائد الفيلسوف الشاعر المقاوم المتصوف..رفض مشروع الاستعمار تنصيبه ملكا للعرب لضرب العثمانيين مميز

كتب بواسطة :

يعتبر الكاتب الفرنسي برونو إيتيان (1937 – 2009)، الذي يُعدّ مِن أبرز مَن كتبوا سيرة عبد القادر بن مُحيي الدين الجزائري، أنَّ حياة الأمير (1808 - 1883)، وتمرّ اليوم الذكرى الثانية عشر بعد المائتين لميلاده، كانت "نوعاً من السرّ الروحي"، فحتى وهو يمارس دوره في تسيير الشؤون العامة، يكون في صميمه غائباً عن العالم، مُعتبراً ذلك تجسيداً لما يُسمّيه ماكس فيبر "النموذج المثالي للبراعة الدينية"، التي تعني أن تكون في صميم الحياة الاجتماعية وأنت خارج عنها.علم مجاهد، ومقاوم شاعر، بايعه الجزائريون عام 1832 أميرا لمقاومة المستعمر الفرنسي.

مرت حياته بثلاث مراحل أساسية، الأولى قضاها في طلب العلم والتعرف على أوضاع البلدان العربية في طريق الحج، والثانية عاشها في الجهاد ومقاومة العدو، وقضى الثالثة أسيرا في فرنسا ثم مناضلا محتسبا في دمشق.

وممَا يجعل من تتبُّع سيرة الأمير عبد القادر أمراً بالغ الصعوبة، أنّه كان قائداً عسكرياً، وشاعراً، ومدرسا شرعيا ومتصوّفاً في آن، وهذا التعدُّد سينسحب أيضاً على الأماكن التي عاش فيها، بدايةً من مسقط رأسه معسكر في الغرب الجزائري، حيثُ بويع أميراً سنة 1832 وشكّل جيشاً لمقاومة الاحتلال الفرنسي الذي كانت قد مّرت سنتان على دخوله إلى الجزائر، ووصولاً إلى دمشق التي رحل فيها، وقد كان له تأثير في إنهاءٍ فتنة طائفية نشبت بين دروزها وموارنتها سنة 1860.

إحدى أكثر المسائل التي لا تزال تثير جدلاً في مسار الأمير عبد القادر، الذي يُلقَّب بـ "مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة"، هو استسلامه للفرنسيّين في ديسمبر سنة 1847، وفق شروطٍ أملاها عليهم، من بينها السماح له بالانتقال إلى عكّا في فلسطين أو الإسكندرية في مصر، لكنّ الجنرال لامورسيِير، قائد الجيوش الفرنسية حينها، نقض وعده، ونقله إلى فرنسا حيثُ سُجن حتى عام 1852. 

وتُقرأ هذه المحطّة المفصلية غالباً من زاويتَين، تستعيد الأولى الظروف الموضوعية لتسليم نفسه، في خضم في الانتصار العسكري الذي حقّقه الفرنسيّون، ما دفع الأمير إلى اتّخاذ قراره حقناً لدماء الأهالي ومن تبقّى معه من المقاتلين، بينما تنظر الثانية إلى عواقب وآثار الاستسلام، حيثُ تفرّغت جيوش الاستعمار لمواجهة المقاومة الشعبية في شرق البلاد بعد أن أخمدتها في غربه.

ولا يُمكن فصل الجانب الثقافي عن الجانبين السياسي والعسكري في مسار الأمير، وهو ما يذكره "إيتيان" في الكتاب نفسه حين يقول: "لا يتطرّق الشكّ أبداً إلى نشاط الأمير الثقافي، فقد اكتشف أعداؤه ومناهضوه في مرحلة المقاومة في الجزائر (1832 - 1847) أهمية ثقافة عبد القادر الفلسفية والدينية من حرصه المستمر على أن يحمل معه، أيّاً كانت الظروف، مكتبةً، نهبها وبعثر محتوياتها المعسكر الفرنسي".

ولهذا، نجد تنوعا في مؤلّفات الأمير، وهي متعدّدة بين الشعر والتصوُّف والفلسفة، لكنَّ أبرزها كتابه "المواقف الروحية والفيوضات السبوحية"، والذي يُعرف اختصاراً بكتاب "المواقف"، وفيه تفسير لبعض الآيات القرآنية وأحاديث النبي محمد في قالب صوفي، يمزج الفقه بالتاريخ، وقد ترجم أجزاء منه إلى الفرنسية، شود كويتز، الذي يعتبر الأمير، في دراسةٍ له، بمثابة "الوريث الشرعي للمتصوّف الكبير ابن عربي".

فالأمير عبد القادر عالم صوفي، فيلسوف ملتزم ذو نزعة إنسانية، قائد عسكري مدهش، قاد فرسانا جزائريين بإمكانيات متواضعة للتصدي لأقوى جيش في القرن التاسع عشر، ولكنه أيضا الرجل الذي جمع شعبه في أحرج اللحظات حين كانت المدن الجزائرية تسقط الواحدة تلو الأخرى في وجه القوات الفرنسية. وكانت فترة منفاه الطويل، وخاصة في دمشق العثمانية، ثرية، لم يهدأ فيها ولا انسحب من حركة التاريخ، وظل مؤثرا نشطا، والأمير هو الرجل الذي خاطبه أعداؤه باحترام وإعجاب ودافع بسلاحه عن مصير المسيحيين في دمشق أيام مذابح 1860.

وقد برهن الأمير عبدالقادر برفضه تلك العروض على ثبات موقفه المعادي للاستعمار والمقاوم لكل مخططاته. ومن الوضح أن الأمير عبد القادر جاء بتجربة جديدة في الحكم، جديدة على العصر الذي عاش فيه، وهذا يظهر في طريقة تعامله وإدارته لشؤون الحكم، من الخضوع لإرادة المحكومين ودعوتهم للتعبير عن اختيارهم بمحض الحرية.

***

ولد الأمير عبد القادر سنة 1807 في قرية القيطنة بولاية وهران الجزائرية. وتلقى تعليمه الأولي بالزاوية التي كان يشرف عليها أبوه محي الدين شيخ الطريقة الشاذلية، وانتقل بعد ذلك إلى مدينة وهران، فتلقى عن عدد من علمائها أصول العلوم، كالتاريخ والفلسفة والرياضيات والأدب العربي وعلم الفلك والطب وغير ذلك.

واصطدم والده محي الدين بالحاكم العثماني لمدينة وهران، فوضعه تحت الإقامة الجبرية في بيته، وفي عام 1825 سمح له بأداء فريضة الحج فخرج وابنه عبد القادر. ومرحلة الاحتلال الفرنسي هي الأهم في حياته، فبعد أن اعتذر أبوه عن قيادة المقاومة الشعبية تولى هو قيادتها. وبويع على الجهاد في نوفمبر 1832، وحصلت له البيعة العامة بمعسكر في 17 رمضان 1248، الموافق 4 فبراير 1833.

وقد سارع لتشكيل حكومته ووضع أسس الدولة الجزائرية الحديثة، وجمع المتطوعين وكون جيشا قويا وحقق نجاحات أرغمت قائد الجيش الفرنسي في وهران "دي ميشال" على عقد اتفاق هدنه معه في 26 فبراير 1834. وتنص الاتفاقية على هدنة أقرت له من خلالها فرنسا سلطته على منطقة الغرب الجزائري ومنطقة الشلف، لكن الاستعمار لم يلتزم ببنود المعاهدة وخرقها عدة مرات.

وأجبر مرة أخرى الفرنسيين في 30 مايو 1837 على المفاوضات معه وإمضاء معاهدة التافنة، التي تعترف بسيادته على الناحية الغربية والوسطى من الجزائر، والتي أمضاها الجنرال الفرنسي بيجو. كرر الفرنسيون خرق الهدنة، ونهجوا سياسة الأرض المحروقة باستعمال أساليب وحشية في قتل الأطفال والنساء والشيوخ وحرق كلي للمدن والقرى المساندة له.

ولخص الجنرال بيجو تلك السياسة في تهديد موجه لرجال الأمير "لن تحرثوا الأرض، وإذا حرثتموها لن تزرعوها، وإذا زرعتموها لن تحصدوها"، وهي السياسة التي أدت إلى سقوط مدنه ومراكزه العسكرية، وأرغمته على شن حرب العصابات (1844-1847).مع استمرار الضغط الفرنسي عليه لجأ إلى المغرب الأقصى أملا في دعم السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن، لكن ضغوط الفرنسيين وتهديدهم باحتلال المغرب حال دون ذلك، فاضطر الأمير إلى إعلان استسلامه في ديسمبر 1847.

نُقل إلى سجن بمدينة "بو" في الجنوب الفرنسي ثم في آمبواز بإقليم اللوار، لكن قرر نابليون الثالث فيما بعد إطلاق سراحه، فسافر إلى تركيا في 2 ديسمبر 1852، ومنها انتقل إلى سوريا واستقر بمدينة دمشق بداية من 1855، حيث درَّس في المسجد الأموي وقبل ذلك في المدرسة الأشرفية وفي المدرسة الحقيقية.

وكتب الأمير عبد القادر عددا من المؤلفات كـ"المقرض الحاد"، و"السيرة الذاتية"، و"ذكرى العاقل" الذي ترجم مرتين وكان يعرف باسم "رسالة إلى الفرنسيين"، و"المواقف" بالإضافة إلى رسائل أخرى.وتوفي الأمير عبد القادر بدمشق في 26 مايو 1883 عن عمر ناهز 76 عاما، ودفن بحي الصالحية بجوار الشيخ ابن عربي تنفيذا لوصيته، وفي عام 1965 تم نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.

***

وفي الشام، لاحظ الأمير أن الضغوط تتزايد على الإمبراطورية العثمانية، وأن التغلغل الأجنبي عبر القناصل والعملاء التجاريين في البلاد الشامية خاصة أصبح مزعجاً لأصحاب الحرف والصناعات المحلية، وأن احتكارات المحلات التجارية من جانب الطوائف غير الإسلامية يزداد باستمرار بمساعدة الوكلاء التجاريين الغربيين وبنفوذهم، كما لاحظ أن البعثات الدبلوماسية تتدخل بشكل غير معلن في هذه المجالات، وأن نفوذها يتصاعد، وأن السلع الأوروبية تغزو الأسواق وتنافس البضائع المحلية بتشجيع من بعض الولاة وبغض النظر من جانب بعضهم الآخر.

وكانت تلك الأمور تؤرق بال الأمير وهو يرى أن شبح الاستعمار ومآربه تقترب ليس فقط على المستوى الشعبي في هذه البلاد، بل إلى دار الخلافة في إسطنبول، وكان يبصّر الوجهاء والأعيان بعواقب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وبأخطار الصدام المسلح بين الطوائف، وكان يدعوهم إلى عدم الوثوق بوعود الدول الأجنبية لأنه لا عهد لهذه الدول ولا ذمة ولا وفاء، ونصح الجميع بالتمسك بالبعد الحضاري لهذه الأمة وبعدم التمادي في زرع الدمار والخراب والأحقاد، مما يجعل البلاد لقمة سائغة في فم الاستعمار، وكان يتكلم وكأنه يقرأ هذا المخطط في كتاب بين يديه.

وكان الأمير عبد القادر مهتماً بدعم الدولة العثمانية والتواصل مع خلفائها وسلاطينها، ففي شهر جوان من عام (1865م) عزم على السفر إلى الإستانة لزيارة الخليفة السلطان عبد العزيز خان، فاستقبله وأكرمه وكبر به، فطلب منه أن يصفح ويسرح المنفيين إلى جزيرتي قبرص ورودس اليونانية من الذين تورطوا في أحداث (1860م) بالشام، فلبى رجاءه وصدر الأمر العالي بتسريحهم.

***

وقد رفض عروضا فرنسية وبريطانية لتنصيبه ملكاً على العرب، وعندما عُرض على الأمير هذا الموضوع لم يتحمس له، ونصح أن يظل الارتباط الروحي بين البلاد الشامية والخلافة العثمانية قائماً.ذ

وأما المشروع الفرنسي الذي كان يرمي إلى إنشاء إمبراطورية عربية تمتد من شمالي بلاد الشام حتى قطاع عكا يرأسها الأمير عبد القادر، فقد رفضه الأمير بشدة في سنة (1860م)، لأنه مطلب فرنسي استعماري، وبعد سبع سنوات عندما ظهر المشروع العربي القومي تردد أيضاً في قبوله، لأنه كان يحترم الخلافة الإسلامية من منطلق ديني وكان عدم تحمس الأمير لهذا الأمر ناشئاً عن احترامه لمبدأ الخلافة الإسلامية، ثم جاء مؤتمر برلين وتولى عبد الحميد الخلافة وأصبح سلطاناً فتأخر الحل العربي.وقد رفض أيضاً عرضاً بريطانياً مغرياً بتنصبيه ملكاً على العرب.

وفي هذا السياق، ذكر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، ويليام كلادستون، الذي حكم بريطانيا بين 1868-1874، بأنه حاول بكل ما يملك أن يقنع الأمير عبدالقادر الجزائري بمنصب إمبراطور العرب لكي يوظفه ويستغله ضد العثمانيين، إلا أنه لم يفلح بالرغم من كل الإغراءات والوعود والمزايا التي وضعها فوق الطاولة للأمير بما فيها استقلال الجزائر وخروج المحتل الفرنسي من الجزائر، لكن الأمير رفض ذلك جملة وتفصيلاً ومن دون نقاش.

وعلق "كلادستون" على هذا قائلا: "حتى دخلني اليأس أن العرب لا يمكن توظيفهم واستغلالهم واستعمالهم، ولكن آخر كلمة أثرت في مسامعي وبقيت تدوي في عقلي وأخبرني أن أنقلها إلى الفرنسيين: أن الجزائر ستتحرر وتنال استقلالها من دون معروف وبركة طرف أجنبي ولن تجد جزائري بعدي ولا قبلي سيقبل أن يكون خادما عندكم أو وكيل لمخططاتكم وسيكون استقلال الجزائر العائق الذي لا تطيقونه لعقود من الزمن ومن أرضنا ستتعثر مشاريعكم. فلست بحاجة لأن أكون ملكا أو إمبراطورا أو سلطانا، فما يهمني بالدرجة الأولى هو أن أواجه المحتل الفرنسي وتغلغلكم في البلاد الإسلامية...".

قراءة 404 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 26 ماي 2020 17:57