الثلاثاء, 23 جوان 2020 11:12

عن الفردية وحدود تدخل الدولة...صيانة الدين وتكريس الحرية مميز

كتب بواسطة :

حدثني بعض إخواني، تعليقا على الجدل الأخير، عن الفردية وخصوصيتها وقدسيتها وكون التدين حالة فردية، وأنصح هنا ببعض كتابات المفكر الموسوعي المصري "عبد الوهاب المسيري" عن الفردية الطاغية ومركزية الإنسان المادي في الفلسفة الغربية، وهو من أفضل من قرأ الفلسفة الغربية واقترب منها وسبر أغوارها، ورحلته طويلة ثرية بدأها ماركسيا وانتهت به إلى الطمأنينة الإيمانية، وكذا الفيلسوف والزعيم السياسي الفذ "علي عزت بيغوفيتش"، الرئيس البوسني الذي أنقذ بلده من حرب صليبية مدمرة، وهو ضليع متمكن من الفكر والفلسفة الغربية..

وخلاصة الكلام في هذا الموضوع الطويل المثير للجدل دائما:

- أسوأ ما في طغيان الحريات الفردية اعتبار الدين شأنا خاصا بإطلاق. نعم هناك جوانب خاصة، لكن هناك بعض المظاهر العامة للدين، مظاهر جمعية هي من شعائر الله، نحتاج إلى صياغة نمط حضاري لمفهوم الحرية الفردية، لا طغيان فيه لأغلبية ولا أقلية ولا فرد ولا جماعة..

- هناك إشكال في مفهوم الحرية الفردية كونه شكلا من أشكال الطغيان، بالمنظور الفلسفي الغربي المادي. الحرية الفردية رد فعل على طغيان جمعي، ولكنها فتحت الطريق لتمدد الفرد على قيم الجماعة. حتى في الغرب كان هناك إحساس بهذا الطغيان الفرداني فتدخلت الدولة في بعض المساحات، حتى تحمي المجتمع من تطرف الفرد الرأسمالي، إذ جعلت منه الفلسفة المادية الغربية طاغية لا يُسأل عما يفعل، وكأنه إله نفسه..

- وهناك فصل بين حق أي إنسان أن يعتنق ما شاء، وحق كل إنسان في ممارسة التخطئة والتكذيب للأفكار، وبين الاعتداء على المطلق الديني (فلكل دين مطلق) أو محكمات الدين وحقائقه الثابتة..والكرامة حق لكل إنسان من نختلف معه ومن نتفق...وهذه القضايا تتجاور وتتعايش دون طغيان أو اعتداء...

- ومشكلة كثير من "مثقفينا" أنهم تبنوا عُقدة إرث المثقف الأوروبي المتطرف خاصة، فالمثقف في الغرب هو من واجه الدين وحطمه، وبعد تحطيم حواجز الدين والاستبداد هناك استطاع أن يشق طريقا جديدا لنفسه وكان شر الشعوب الغربية مُسلطا عليها من داخلها، أما المثقف في بلاد المسلمين فقد قلد المثقف الأوروبي، فواجه الدين أو ما رأى فيه شبها بالكنيسة أو طغيانها واستطاع أن يهدم كثيرا من القلاع وحواجز الدين، فالغربيون نبذوا طغيان الكنيسة فنالوا الحرية والسيادة والسيطرة، ونحن نبذناه فمُنينا بالذلة والانقسام والانحطاط والاستعداد لقبول كل ما يُملى علينا..

- وما ينبغي الإشارة إليه هنا أن ما يحتاج إلى تدخل الدولة في قضايا الاعتداء على دين الأمة وحقائقه بسلطة القانون قليل، وهذا يستلزم ضرورة الالتزام بالحد الأدنى من التقنين والحد الأعلى من الحرية، إذ ينبغي مراعاة مستويات المسؤولية: ضمير الفرد، وسلطان المجتمع، وتدخل الدولة، وأن لا تتدخل في خصوصية حياة الناس باسم الدين في أمور تركها الإسلام لضمير الفرد، إلا إن جاهروا بالتطاول على دين الأمة والطعن فيه، وتجرؤوا على محكمات الشريعة، إذ الأصل أن ترعى الدولة شؤون الناس وتعدل بينهم ولا تستأثر بالحكم، وهذا من أهم واجباتها، ولا تتدخل في حياة الناس إلا بقدر محدود جدا..

- ومهم، هنا، أن يتنادى المثقفون والمفكرون وأصحاب الرأي إلى الجمع بين صيانة الدين وحقائقه وتكريس الحرية ليكون هذا أساسا لإجماع أخلاقي نتجاوز به أنواع الدجل والزندقة والانتقائية والتحيز الأعمى والطعن الفاحش للمقدسات، ونميز به بين حرية الرأي الواجبة وحرية المجاهرة بالكفر المُجرمة...

- وما كان الدين، قط، محور التاريخ الأوروبي، بل ظل دائما على أطرافه، أما عندنا فالدين كان ولا يزال محور الحياة، وهو أمر يحتاج العلمانيون في مجتمعاتنا إلى معرفته والاعتراف به.. وللحديث بقية..

قراءة 164 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 23 جوان 2020 11:23