السبت, 11 جويلية 2020 16:37

تجربة "أردوغان"...الجنة والغابة مميز

كتب بواسطة :

- اتجهت تركيا الجديدة عبر الحزب الحاكم ومؤسساته (العدالة والتنمية) بقيادة أردوغان لإعادة تعريف للذات، وانتقال هادئ ولا أقول قطيعة مع بعض الماضي القريب، وهذا يعني تعريفاً وعلاقات مختلفة مع خارجها، فما عادت تعطي أهمية كبيرة للماضي القومي والعلماني المتطرف ولا للأتاتوركية، فالذي يتم في تركيا هو تفكيك ناعم للأتاتوركية وتجنب للتصادم مع مصائبها. فهناك تسامح مع القوميات، وإعادة تعريف صريح لتركيا من خلال خطاب إسلامي وعظي، وهناك إعادة عرض للتاريخ وحضور لمحمد الفاتح وللسلاجقة والدين والخلافة من باب خفي.

- تجربة أردوغان الاقتصادية والسياسية لا هي مثالية راشدية ولا هي مُظلمة حالكة، حقق فيها التقدم والنمو لبلد عاش عقودا من الانحطاط والظلمات، خدم (أردوغان) شعبه وبلده وتجربته في التنمية الاقتصادية ناجحة ودافع عن أمنها القومي، ويراه كثيرون باني الجمهورية الثانية التركية.

- يمثل نجاح الحالة التركية تحولا سريعا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، فالنجاح الديمقراطي -رغم مخاطر الانتكاسة- وتمكين شعب عريق من حكم نفسه، ونبذ المستبد العسكري المهيمن، ثم المصالحة مع الذات والمحيط. وقد كان الشعب محروما من التعرف على ذاته وهويته، ومحروما من قدراته وإمكاناته، ومعلقا بين مذهبيات غربية قومية وقيود تحطمه ولا ترفعه..

- ظاهرة الإعجاب بأردوغان تجتاح العالم الإسلامي وغيره وليس العرب فقط. وتصاعد التأييد شعبيا ليثير غضب الحكومات عبر أصواتها ومنابرها التحريضية والدعائية.. ورؤية الشعوب العربية لتركيا مناصرة للديمقراطية أعطاها مزيدا من الجاذبية، وقد كادت تفقد تركيا هذه الخصوصية لو نجحت كل الثورات العربية.

- في السنوات الأخيرة من حكمه، مال نحو النزعة التسلطية، وهجومه على حركة "فتح الله كولن" (صوفية منظمة ومؤثرة ومتغلغلة في مؤسسات الحكم والتعليم والخدمات) وسجنه للآلاف من أعضائها ومطاردتهم وطرد كثيرين من أعمالهم نقطة سوداء في سجل التجربة الأردوغانية..وبالغ في الحملة عليهم حتى طاردهم في كثير من البلاد الأجنبية.. وتحدي الصوفية المنظمة (جماعة كولن) في تركيا قد لا يكون لمصلحة الدولة على المدى الطويل، وقد كان للصوفية أثرها في قمع السلطنة قديما وإضعافها.

- ما أراده أردوغان هو إقامة توافق سياسي بين الأتاتوركية والإسلام، توافق يسمح بقيام حكم عقلاني يضع حدا لحرب الدولة على الدين، ويمنع انفجار الصراع بين أنصار الهوية الإسلامية وحراس القيم العلمانية للجمهورية. العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميا، ليس صورة أخرى من محاولات أربكان الحثيثة لاستعادة تركيا إلى حضن الإسلام.

- والحقيقة أن تركيا كان التغيير فيها أسهل لوجودها في المنظومة الغربية أصلا، ولوجود مواقف إصلاحية حاولت قبل الحزب، ثم استثمار الهبة الإسلامية العامة، والتراجع الأمريكي والإخفاق في المنطقة، والتطرف الصهيوني في المواقف كل هذه خدمت صناعة الهوية الجديدة لتركيا.

- أردوغان تصالح مع الشرق واتجه بتركيا شرقا بعد أن تغربت لعقود من الزمن، صاحب "كاريزما" قوية، منفذ لما يؤمن به، مشروعه تحرري في الاقتصاد والسياسة، استطاع أن يجعل من بلده قوة إقليمية مؤثرة ووازنة في المنطقة، يُحسب لها حساب، وتدخلت في سوريا وليبيا عسكريا، وأزعجت بهذا أوروبا، وأكثر من عاداها فرنسا ماكرون.

- بنى سياسته الخارجية على اللعب بين الحبلين الروسي والأمريكي، فإن أغضبته واشنطن احتمى بموسكو، وإن أزعجته روسيا هدد بالتقارب من أمريكا، فكان يقفز من قارب إلى آخر، وانتهت به الرحلة إلى التفاهم مع بوتين توثيق العلاقة الشخصية مع ترامب.

- ما أراده أردوغان هو إقامة توافق سياسي بين الأتاتوركية والإسلام، توافق يسمح بقيام حكم عقلاني يضع حدا لحرب الدولة على الدين، ويمنع انفجار الصراع بين أنصار الهوية الإسلامية وحراس القيم العلمانية للجمهورية. العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميا بالمفهوم التقليدي، وليس صورة أخرى من محاولات أربكان الحثيثة لاستعادة تركيا إلى حضن الإسلام.

- بنيت توقعات الصدام بين الجيش وحكومة العدالة والتنمية على منطق تقليدي، فالخلفية الإسلامية لقادة العدالة والتنمية لم تكن تخفى على أحد، والجيش هو حارس علمانية الجمهورية وعداؤها لكل ما هو إسلامي واضح. ولكن المفاجأة كانت في نجاح أردوغان ورفاقه في إدارة حكومة بالغة الكفاءة، وتطبيق برنامج إصلاح سياسي واقتصادي لم تعرف تركيا مثيلا له منذ نصف قرن على الأقل.

- حاول عهد أردوغان إيجاد منطقة توازن بين الإسلام والعلمانية في تجربة تختلف في ظروفها عن تجربة مندريس في الخمسينيات التي انتهت بنهاية دموية. وثمة صعود للوعي في تركيا بحقائق الاقتصاد والسياسية والدين والتاريخ، لا تخطئه عين المراقب والزائر. 

- كانت القناعة الغربية أن الإسلاميين قادمون في تركيا، وكانوا في صعود شعبي مستمر منذ تأسيسهم حزب الرفاه، ثم حزب الفضيلة، ثم حزب السعادة الذي خرج منه حزب العدالة والتنمية الحاكم، فكان لا بد من ترتيب الوضع معهم مبكراً، وهكذا كان، وكانت أعقد العلاقات بين الإسلاميين والعسكر زمن قيادة الشيخ نجم الدين أربكان -الذي تولى رئاسة الوزراء سابقا وأطاح به العسكر- بكل ما عرف عنه من عزم وصرامة ووضوح لا يحتمله المعسكر الغربي، ولا بقايا العلمانية التركية، ولا شباب الحزب الذين انقلبوا عليه، فاتهمهم بالعمالة بسبب ذلك.

- لم يُسلَم قائد الجيش التركي السلطة في البلاد للحزب المنتخب عام 2002 إلا بعد تفاهم ولقاء في واشنطن حسمت فيه أمريكا موقفها وأشارت أو ألزمت العسكر أن يفتحوا الطريق لمن اختاره الشعب، وينهوا تمسكهم الحديدي بالسلطة، ولأن مصالح الغرب في أيد أمينة، محمية بحزب ديمقراطي مدني وتقدمي، وبدأ تحرر تركيا من كابوس العسكر بخطوات هادئة ولكن واعية وجادة في الاتجاه الصحيح.

- انتهت العملية السياسية التركية بوجود حزب متمكن في الداخل شريك لأمريكا في الخارج. والسياسة الأمريكية تتحمل الند والمشارك وحتى الوكيل المتحرر من كل قيودها، وتحتقر التابع الغبي. وهناك نماذج عديدة للموافقة التركية والتبعية الموروثة، ولكن هناك مواقف مشهودة للاستقلال لا تخطئها عين، أقلها الموقف من فلسطين ومن الانقلاب في مصر.

- لكن ظهر للحكومات الغربية أن الحزب وأردوغان مشكلة وليس حلاً، ومن هنا كشف له بعضها أنياب العداء، وهذا من أسباب فرحة الجماهير العربية بانتصار أردوغان، الشماتة بالتحالف الصهيوني العربي، و"تيار المتصهينين العرب"، الذي برز متعاطفا مع الإرهاب الصهيوني ضد غزة، ، فتعاطفوا مع كل خصوم هذا التيار وأبرزهم أردوغان.

- مهما كانت علاقات تركيا التاريخية بإسرائيل، فإن حزب العدالة على الجبهة المختلفة مع الصهيوني، ذلك لأسباب، منها: المهاد الديني الإسلامي الذي تلقاه، والمهاد الإسلامي الصادق يصطدم دون ريب مع الصهيونية، وكذا ذبح الجيش الصهيوني لطاقم سفينة مرمرة التي جاءت لمساعدة غزة، وعامة الناس لاحظوا أحقاد متصهينة العرب على الحكومة التركية وفرحهم بالمظاهرات وإطلاق الغاز في ميدان تقسيم وكأنها فتح الفتوح، ولو كان الحدث في تل أبيب لغلبهم الحزن.

- طبقة التجار في الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) أقوياء ومؤثرون، وهم وراء كثير من النجاحات، والتماهي الحزبي مع التجارة والصناعة التركية من الأسباب الكبرى لنجاح تركيا وتقدمها الاقتصادي.

- فقدان النموذج والقدوة والقائد على الساحة العربية تجعل الناس في شوق لشخصيات محترمة تقدر مشاعرهم وقناعاتهم وطموحاتهم، وتشاركهم قضاياهم، ورغم النمو الاقتصادي عشر مرات منذ تولي الحزب فهو يسعى لما هو أكثر، وقلب الوضع الاقتصادي من مدين إلى دائن للبنك الدولي، وقلب الحياة والموازين في قارة "آسيا الصغرى" يجذب انتباه العالم فكيف بجيران شاركوه كثيرا من التاريخ والظروف والدين والتواصل؟؟

- موقف أردوغان وحكومته من غزة فوق النسيان والتساؤل، وآخرها المعونات الغذائية، والعلاجية والحملات الإعلامية والتبرعات المستمرة. أما بعض العرب، فكانوا يشاهدون المأساة ويراقبون تركيا وسياستها وكرمها ومبادراتها الدولية.

- ربما يُعدَ الصراع في سوريا، أكثر القضايا إثارة للجدل والنقد للموقف التركي في السياسة الخارجية، أردوغان رفع السقف وأغرى الثوار بالدعم، وتفاهم مع روسيا بعد الانعطافة التركية الكبرى في السياسة الخارجية في 2015-2016، بعد إسقاط الطائرة الروسية والمحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري، فمال إلى بوتين وتفاهم معه وكان في هذا ضررا كبيرا على الثورة السورية، وجرتها تركيا إلى "اتفاق أستانا"، ثم "سوتشي"، فكان تعامل أنقرة مع الثورة السورية كما لو أنها تابع ذليل لا مشروع ثوري تحرري، وحولت ملفها من وزارة الخارجية (في عهد أوغلو) إلى جهاز المخابرات ثم كانت القصة المعروفة من حلب إلى إدلب، ولا يتسع المقام لذكرها بالتفصيل.

- يبدو أن تركيا تستفيد من تراجع الانخراط الأمريكي في المنطقة ومن ضعف الدول الأوروبية، وتدافع بشراسة عن مصالحها وتخوض صراع الطاقة ومناطق النفوذ، وتتفاهم مع الروس وتحتاط لهذا بالعلاقة الشخصية مع ترامب، وأردوغان مستفيد كثيرا من رئاسته (ترامب)، وهو في كل هذا يكرس النزعة التسلطية في حكم الداخل..وعين تركيا على منطقة الهلال النفطي في ليبيا وثروات شرق المتوسط، فليست جمعية خيرية، بل تدافع عن مصالحها وأمنها القومي.

- ديمقراطية تركيا حقيقية وإن شابتها عيوب ونزعة تسلطية في الفترة الأخيرة، والخوف من أن تكون الحقيقة الديمقراطية في تركيا تمهد لدكتاتور قادم، ولهذا كان خروج أردوغان محببا لكثيرين ممن أرادوا لتركيا الخير، لإنهاء شبهة السيطرة التي قد تقع ولو كانت النسبة: 51%..وقد ترك أردوغان في قرابة عقدين من الزمان أثره على تركيا، وكسر الحزب ظهر العسكر حراس العلمانية المتطرفة، وحطم المحرمات العلمانية الأتاتوركية، وأحيا الحرية الدينية، وأعطى الأمل بل والعمل لطبقات من الناس كانت محرومة في النظام السابق، وأعطى تركيا الاحترام والنفوذ الذي فقدته منذ قرن من الزمان..

- اعتبر معلّقون عرب كثيرون أن الاستفتاء الدستوري التركي يعني انتقال تركيا من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام ديمقراطي رئاسي، وهذا غير صحيح؛ ما عناه الاستفتاء هو اتجاه تركيا إلى شكل من السلطوية يسمى "السلطوية التنافسية"..إذ يشترط كثير من علماء السياسة، مثل ليفيتسكي ووي وماجالوني وغيرهما، شرطا إضافيا للتمييز بين نظامٍ سلطوي ونظام ديمقراطي يسمونه "الميدان التنافسي"، ففي الأنظمة التي يكون فيها ميدان التنافس مصمما بحيث يفيد منه أكثر من حزب واحد، فنحن هنا نتكلم عن ديمقراطية، أما إذا كان ميدان التنافس منحازا إلى حزب واحد، ومصمما لخدمته فقط، فنحن هنا نتكلم عن سلطويةٍ تنافسية، فهي تنافسيةٌ لأنها تسمح بالانتخابات، وتسمح بوجود أحزاب معارضة، لكنها سلطويةٌ، لأن الميدان مصممٌ بحيث لن يكون في مقدور هذه الأحزاب والمعارضة الفوز بأي انتخابات مقبلة.

- ولكن ممَا يجب وعيه أن تركيا الحالية وارثة لتكوين قومي عميق، بعضه متطرف، جرى تأسيسه وتأكيده لطرد الهوية الإسلامية، ولا يُتوقع أن تركيا قادرة في القريب العاجل على خلع أثقال التشدد القومي تجاه العرب والكرد واليونانيين وغيرهم. غير أن التطرف القومي قد كسره إلى حد ما التوجه الإسلامي ولو إلى حين، فمرض القومية لم يزل يعيث بالطورانيين ويعمي من يشبههم من القوميين العرب، واحتواء الصهاينة لبعض سياسات العرب قوية وتحرص أن توجهه لإثارة الخلاف مع تركيا، ثم إن فعالية وانفعال بعض القادة الترك قد يوقدها، وفشل نظرية "صفر مشاكل أو تصفير المشاكل" (التي تحمس لها العقل التركي الفذ ورئيس وزرائها السابق أحمد داود أوغلو) أخفقت لأنها كانت حُلما مغرقا في المثالية غير واقعي ولا عملي.

- هناك حكومات عربية حاقدة على تركيا بسبب موروث تاريخي يُساء تكراره بألسنة وأقلام جاهلة، ثم بسبب وجود حزب إسلامي حاكم وناجح فإن وجوده يسبب الغيرة وما يتبع من كراهية وحسد والتشنج تجاه أي عمل إسلامي من قبل متطرفين تعودوا الخداع بالشعارات، ثم لأن إسرائيل كلفت أولياءها بدور محاربي التوجهات الإسلامية ولو كانت بناءة وديمقراطية وحضارية، لأنها تدرك أن كل خطاب إسلامي واع سيكون ضد مظالمها.

- إذا سمحت الشعبية الجارفة المؤقتة لأشخاص فلا يعني الفكاك من المعضلات في المحيط وتربص الخصوم وأثقال الماضي. ولا ننسى أن أتاتورك كان يرى أن بلاده شبعت من الإسلام، ومن التصوف والتخلف، ومن الفساد، ومن القرب من عالم المسلمين، وكان عليها أن تتجه إلى الغرب وتُولِي قلوبها وعقولها ولغتها ولباسها وسائر ثقافتها نحوه، إذ كان يرى في الشرق "والإسلام" ثقلا يجب الخلاص منه بكل ما فيه، فحقق بالقوة والحسم والإرهاب ما خطر بباله، وبعد قرابة مائة عام، تصنع تركيا ثورة أخرى، والفرق أن هذه الثورة هادئة بلا صخب ولا زعيم إله، كما لينين وستالين وأتاتورك، بل فكرة وتجربة، فيها روح الدين وإنجاز الدنيا، وفيها الروح الذاتية وثمرة تجربة الغرب، وفيها وعي بمصائب الدرب الطويل المرير الذي عاشوه، من نتاج ثورة دامت زمنًا طويلا تكبت الأنفاس ويحميها العساكر أو يتظاهرون بحمايتها بسبب القانون لا بسبب القبول بعد أن ماتت في القلوب، بلا تجديد ولا روح ولا معاصرة، دامت برحمة الخضوع للناتو وللغرب، دامت بحماسة قومية طاغية، ولأسباب أوهمت بأنها إنقاذ وتعويض عن مهانة سقوط إمبراطورية، ودامت بمن ينقلبون على كل من شكك في عقيدة المؤسس، ودامت لأن شرًّا تعرفه خيرٌ من خيرٍ لا تعرفه.

- وهذه الحكومة وفلسفتها شجاعة في بلاد لم تتعود هذه الشجاعة منذ قرن، مرنة في منطقة لم تتعود إلا الصلابة، قاطعة مع الماضي في زمن يذهب للوراء الشرقي أو الوراء الغربي، فيتكئ على الماضي في حروبه ومواجهاته في الغرب وفي بلاد المسلمين، وما حدث في تركيا، لم يكن ليبدأ إلا بشجاعة في أن تتبع الخطوة العملية الفكرة الحية المؤثرة، إنها حكومة عملية في منطقة تحب الخيال وبقايا الخطابة، وهذا الذكاء والنشاط يصنعان الأعداء ويثيران الأحقاد، حتى من جوار فاشل مستعد لينتقم من النجاح، أو يوقفه أو يحفر في طريقه حفرًا.

قراءة 209 مرات آخر تعديل في السبت, 11 جويلية 2020 16:55