السبت, 08 أوت 2020 21:04

"نورماليون" بلا معنى مميز

كتب بواسطة :

مُضطر لأن أكتب عن موجة "نورماليون"، فبعض إخواني القراء والمعلقين استاءوا من نقدي لها...لكنها هي بذاتها "إيديولوجية"، وإن كانت الفكرة تدعي بأنها تجسد "اللا انتماء"، وهذا وهم، فأنت إما أنت وإما غيرك، فلا يجتمع النقيضان، فأن تتوهم بأنك لست أنت، فأنت، إذن، غيرك، وهذا ليس توجها "نورماليا" بل غير سوي، فما معنى أن لا تكون أنت أنت، معناها أنت غيرك، وما معنى أن تكون غيرك، يعني أنك بلا فكرة ولا شخصية تذوب في غيرك، وهذا انفصام، وهذا ربما يحتاج إلى بسط وقدر من الإسهاب..

الذين يروجون لهذه الفكرة أكثرهم عن حسن نية وسجية، لكن بعض من يغذي هذا الوهم يريد منه تجريم الانتماء وإسقاط الإيديولوجيات من حيث يُعلي أيدلوجيته هو لحاجة في نفسه أو نفس من أوعز إليه. ومشكلة فكرة "نورماليون" أنها تبحث عن طرفين بجانبها، ولهذا فهي تتقلب باحثة عن وسط بين طرفين. فقد تهرب عن الحق بحثا عن الوسط المتخيل، وقد يكون التوسط الضياع، وفقدان اللون والطعم والموقف، ويكون الحق في طرف النزاع.

ولنتذكر أن الفلسفات الغربية أسقطت كل شيء في حالة من اليأس والفوضى وانقلبوا على كل القيم، انتقاما من طغيان الكنيسة وتوغلها وطغيانها، حتى أعلنها "نيتشه" صراحة: "لقد مات الإله.. ونحن الذين قتلناه.."..ثم اجتاحتهم موجة "ما بعد" (ما يعد الحداثة وما بعد الإيديولوجيا وما بعد...)، فالإلغاء والإسقاط يُفضيان إلى التيه والضياع والانقلاب إلى حالة من الفوضى، فليس ثمة توجه بريء، وكل فكرة ذات حمولة إيديولوجية معينة..

ولغة التعبير مهمة ولا يُستهان بها، يسبق السيطرة عليها السيطرة على الموقف وتوظيفه، حيث يمكن العبث بمصطلحاتها ومعانيها، فإن كانت الحقيقة أول ضحايا الحرب فإن التضحية باللغة تسبق أي معركة، حيث تنحاز للقادر على العبث بها أكثر من غيره، وتنحاز لصاحب الصوت والمنبر والخطاب الأعلى تأثيرا، واللغة هنا لا يُعنى بها الحروف والكلمات ولكن المصطلحات والتعبيرات والمعاني..

وحشد من الألفاظ والمعاني والانطباعات والصور ترسل في البدء قصدا، ثم تصبح عادة ثقافية توجه إلى عقل المتلقي فتقوده حيث تريد. والأيديولوجيا حاجة بشرية لكل عمل، فكل عمل يحتاج لفلسفة وفكرة تقنع الفرد الممارس له، والثورات العربية كانت ثمرة للحاجات المغيّبة، وثمرة لخير ما في الأيديولوجيا، ولكنها لم تُردَد الأيديولوجيا، فلا أيديولوجيا محددة، ولا يوجد زعيم ملهم، ولا تنظيم قاد الثورات العربية..

فالذين خرجوا من شتى الأطياف كان لكل منهم قضيته، ولكل أيديولوجيته الخاصة، غير أنه كانت لهم قضية واحدة جامعة، فاستطاعوا تأخير الخلافات وتقديم الأولويات، والأولوية في المجتمع اليوم مواجهة السَم الذي يفري في القلوب والعقول والاقتصاد والسياسة والكرامة وهو "الاستبداد"، ولهذا كان على درجة من الوضوح والقبح بحيث لا يقدم أحد على شرّه شرا، فكان مَجمع الخبائث وسر التعثر، وعين الأفراد والأفكار عليه لا تخطئه.

لذا، فلم تغب الأيديولوجيات عن الثورات العربية، لا بل نضجت الأيديولوجيات فوصلت لغايتها من المرحلة الأولى، وعقلت فأزاحت أطرافها الحادة وتطرفاتها، واجتمعت على الاهتمامات الكبرى.

وحراكنا الشعبي أحسن هضم قصة الأيديولوجيا، وأحسن وعي الأفكار والتصرف بها، فقيمة الفكرة العظمى هي في تنفيذها في الحياة اليومية وفي السلوك الشخصي، فالذي نحتاجه اليوم هو المصلحة العامة المستخلصة من مساهمة الأفكار والإيديولوجيات في حلَ المعضلات، إنها الفكرة في ميدان العمل وهذا ما تحقق بدؤه.

قراءة 236 مرات آخر تعديل في السبت, 08 أوت 2020 21:17